ذكرى 2 اغسطس: ..وماذا يريد الكويت من العراق..!
صادف يوم أمس، الثاني من أغسطس (آب) الحالي، الذكرى الثالثة عشرة لغزو النظام العراقي البائد للكويت، وهي بالتأكيد ذكرى مؤلمة على الكويتيين وكذلك على المقيمين في الكويت آنذاك، خصوصا لمن كابد سبعة أشهر من الاحتلال ورأى بعينه…
صادف يوم أمس، الثاني من أغسطس (آب) الحالي، الذكرى الثالثة عشرة لغزو النظام العراقي البائد للكويت، وهي بالتأكيد ذكرى مؤلمة على الكويتيين وكذلك على المقيمين في الكويت آنذاك، خصوصا لمن كابد سبعة أشهر من الاحتلال ورأى بعينه صنوف التعذيب وهتك الأعراض واستباحة للحرمات.
وتعود ذكرى الغزو هذا العام في ضوء ظروف وتحولات مختلفة يشهدها الجار العراق وتستند أساسا إلى سواعد مخلصة من الأشقاء العراقيين، إلا أنها فعلا ذكرى تثير عدة تساؤلات ولعل أبرزها ماذا يريد العراق من الكويت، كما جاء في عنوان مقال الأخ الدكتور موفق الربيعي يوم أمس وهي مناسبة بالتأكيد لا تقل أهمية عن الحديث عن ماذا يريد الكويت من العراق.
ولا شك أن ما حدده الأخ الدكتور الربيعي في معرض استعراضه في مقاله الذي نشرته «الشرق الأوسط» أمس الإثنين لا يختلف عليه الكويتيون وكذلك العراقيون. إلا أن مشروعا كهذا، يتطلب آلية عمل وبرنامجا يشارك فيه الطرفان في عملية الإعداد والتنفيذ والتقييم.
ولعل ما يميز السنوات الثلاث عشرة الماضية ليس غزو الكويت فحسب، وانما ايضاً حدث عاصف آخر، ما زال الغبار لم ينقشع بالكامل عنه، وهو حرب تحرير العراق. فغزو الكويت في الثاني من أغسطس 1990، وكذلك تحرير العراق من قبضة الطاغية صدام في 10 أبريل من العام المنصرم، يلتقيان عند نقطة مشتركة واحدة وهي ان المتسبب في الحدثين هو شخص واحد، هو صدام حسين.
تحل ذكرى غزو الكويت هذا العام في ظل مخاض جديد يشهده العراق، فمن رحم الويلات والظلمات التي عاشها العراقيون طوال حكم طاغية بغداد، يتشكل العراق الجديد بسواعد عراقية مخلصة لطي صفحات القمع والرعب، وتدشين مرحلة الحريات والديمقراطية وسيادة القانون.
لا يختلف اثنان على ان ما حدث للعراق سيظل له تأثير هائل على جيرانه وعلى المنطقة من مختلف النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وقد تمر سنوات قبل ان تستقر الامور في العراق ويتضح الاتجاه الجديد الذي سيسلكه العراقيون، سواء على الصعيد الداخلي او الخارجي وصياغة سياستهم المحلية والدولية ورؤيتهم لعلاقاتهم مع دول الجوار.
ومن الصعوبة بمكان، ان لم يكن من المتعذر، ان يتفحص المرء كل الجوانب التي تتصل بالعلاقات الكويتية العراقية منذ التحرير. ومع ذلك، فقد بات واضحاً وجود عدة ملامح رئيسية تكشف عن الواقع وتعبر عن الاتجاهات التي ستشكل العلاقات المستقبلية. وبإجمال يمكن تقسيمها الى ثلاثة اتجاهات رئيسية: الاتجاه الأول وهو الاكبر على الاغلب، يضم قطاعاً ما زال متأثراً بالدعاية التي كان ضحية لها طوال فترة حكم صدام. واذا وضعنا في الحسبان ان جيلين كاملين ولدا خلال حكم صدام وخضعا طوال حياتهما لأبواق دعايته، فإن ذلك سيفسر السبب وراء ضخامة هذه الشريحة. كما يقع ضمن هذا الاتجاه، عدد من المثقفين والكتاب الذين كانوا مجرد أداة من أدوات الدعاية في النظام البائد.
أما الاتجاه الثاني، فيضم عدداً لا بأس به من العراقيين العاديين ، وكذلك بعض المفكرين والمعتدلين وأصحاب الرأي الذين كانت لهم مواقف واضحة وصريحة تجاه إخوتهم الكويتيين. وقد تبلورت وترسخت هذه المواقف من خلال الاحتكاك المباشر، والتعامل اليومي مع الكويتيين في منطقة جنوب العراق، حيث شاهدوا على الواقع الدور الذي قامت به الكويت لرفع المشقة والمعاناة من على كاهل العراقيين، والمساهمة في تقديم المساعدات الطبية والانسانية سواء اثناء الحرب أم بعدها.
بينما ينضوي تحت الاتجاه الثالث عدد من العراقيين الذين نشطوا في المعارضة في الخارج ابان الحكم السابق حيث تمكن هؤلاء، من خلال حرية الحركة التي توفرت لهم اثناء اقامتهم في خارج البلاد، من ادراك مواقف الكويت خاصة، ان بعضهم كان لهم اتصال مباشر مع المؤسسات الكويتية الرسمية وغير الرسمية. وتعتبر هذه الشريحة خير شاهد على موقف الكويت.
ويمكننا القول هنا إن هذه الصورة تعكس بصفة عامة الوضع الحالي الى حد كبير، وإن كانت الأحداث المتلاحقة والتطورات المتعاقبة تجعل من امكانية حدوث خلط للأوراق أمرا واردا. فهناك جماعات سواء كانت موجودة أصلاً داخل العراق ولم تبرح البلاد، او كانت قد اقامت في الخارج وعادت مؤخراً بعد ذلك، تسعى لإلصاق التهم الجاهزة بالكويت، مستغلة في ذلك الاوضاع الأمنية غير المستقرة لتشويه صورة الكويت. وهذه الجماعات من ضمن الجماعات والمنظمات الاخرى المحسوبة على النظام العراقي السابق، او من الجماعات التي اعتادت على الابتزاز، وفشلت في الماضي في ابتزاز الكويت، وتحاول معاودة الكرة من جديد من أجل الحصول على مبتغاها. ولا يمكن بحال فصل هذه الجماعات عن جماعات مماثلة ظهرت فجأة كالفقاقيع في انحاء متفرقة من العالم واصبح لها تجارة رابحة من اصدار الصحف والمجلات الصفراء والتي تعتمد في الاساس على الابتزاز وخاصة ابتزاز الدول الخليجية.
العبء الكبير الذي يقع على كاهل العراقيين لصياغة مستقبلهم وتحقيق آمالهم، يتطلب منهم تنقية الاجواء في الداخل والتخلص من، او معالجة، رواسب العهد القديم. وفي مثل هذه الظروف العصيبة التي يمر بها العراق، فان الأمر يستلزم التعامل مع الامور من منظور مختلف، ويستدعي التسامي فوق الجراح. فلا يمكن ان يكون كل الشعب صداميين، ولا يمكن محاسبة كل فرد على انه نسخة مكررة من صدام او عُدي.
والمقياس ذاته ينطبق على الكويت: فبالرغم مما تنوء به ذاكرة الكويتيين من أحداث مأساوية لسبعة شهور قاسية بكل المعاني، لا يمكن بحال تحميل العراقيين جميعاً ما اقترفه صدام وطغمته من أعمال وحشية ومجازر في الكويت. اقترف المزيد منها في العراق واستباح الحرمات وسفك دماء العراقيين.
من مصلحة البلدين، ومن الخير للشعبين، تجاوز المشاق وعبور الصعاب والتسامي فوق الجراح. وكل ذلك لا يمكن ترجمته او بلورته في تصريحات او بيانات أو لقاءات رسمية او غير رسمية، كما لا يمكن لمقالة صحفية او مقابلة تلفزيونية ان تختزل كل ذلك. فواقع الحال يتطلب آلية عمل تأخذ في الاعتبار كافة الهواجس التي تدور في أذهان الكويتيين والعراقيين، وكافة الاعتبارات التي تهم الطرفين، سياسية كانت أم اقتصادية او ثقافية او اجتماعية او اعلامية، والمؤكد ان عملية ترميم العلاقات لا يمكن ان تتم بين ليلة وضحاها، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيش فيها العراق حالياً، ووسط العراقيل والمناوشات التي تثيرها بعض الجماعات التي لا تسعى الا لصالح نفسها.
والى ذلك فتصريحات رئيس الوزراء العراقي اياد علاوي، التي اعلنها في اعقاب زيارته لبيروت، والتي قال فيها «نحن في السابق أدنا غزو نظام صدام للكويت، وبطبيعة الحال سنسعى لاقامة علاقات مبنية على السلام والمحبة وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول»، هذه التصريحات يجب ان تترجمها برامج محددة، وتنفذها آلية عمل. ولا بد من الحذر في التعامل على هذا الصعيد. فالخطأ او السهو خصوصاً من جانب المسؤولين في الحكومة العراقية المؤقتة بحق الكويت، مثلما حصل في سقوط اسم الكويت في الخطاب الذي وجهه رئيس الوزراء العراقي اياد علاوي، لا يمكن بأي حال ان يخدم تطوير العلاقات الأخوية بين البلدين.