ما بعد الانتخابات وقبل تشكيل الحكومة
بقلم: خالد احمد الطراح تتشكل قريبا حكومة جديدة بعد انتهاء الانتخابات النيابية لعام 2006، ولعل فرصة الانتخابات التي استمرت اسابيع كانت فرصة كافية للمراجعة من قبل الحكومة والمراقبين والمهتمين بالشأن السياسي والمتابعين…
بقلم: خالد احمد الطراح
تتشكل قريبا حكومة جديدة بعد انتهاء الانتخابات النيابية لعام 2006، ولعل فرصة الانتخابات التي استمرت اسابيع كانت فرصة كافية للمراجعة من قبل الحكومة والمراقبين والمهتمين بالشأن السياسي والمتابعين للعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وخصوصا ما شهدته هذه العلاقة خلال الفترة التي سبقت حل المجلس من شد وجذب وتوتر وتأزم.
في تقديري ان تحديد الاخطاء واسبابها وظروفها ليس عملية صعبة منذ ان باتت الامور واضحة للكل، لذا تصبح عملية الاستفادة من الدروس والاخطاء اهم بكثير من التركيز على الاخطاء وتحديد المخطئين.
العلاقة بين السلطتين كانت دوما غير مستقرة، ومتنافرة، وهي ربما حالة طبيعية في العملية السياسية في البلدان ذات الانظمة الديموقراطية، لكن ثمة سمة عامة تسيطر على العلاقة بصورة غير طبيعية هي غياب الحوار المنتظم وعدم وجود آلية تعاون وعمل مشترك واضحة بين الحكومة والمجلس، وبين اعضاء الحكومة نفسها احيانا الى جانب فقدان قنوات الحوار المباشر والاتصال بين الحكومة والرأي العام.
الحوار المطلوب الذي نحن في حاجة اليه لا ينحصر فقط في الاستماع واتاحة فرص اللقاء للإصغاء وانما ايضا نحن في حاجة إلى حوار منظم ومستمر من اجل الوصول الى حلول موضوعية وتبني مقترحات وافكار مدروسة ومفيدة، يمكن ان تستفيد منها الحكومة وكذلك مجلس الامة والكويت ككل.
ولعل المدخل المبدئي والصحيح لتدشين عمل منظم نحو حوار مثمر وآلية عمل وتعاون، يتطلب اولا من مجلس الوزراء تحديد الخطوط العريضة لاهم وابرز القضايا التي ينبغي على الحكومة تبنيها ومعالجتهاِ وهذا يعني ان مجلس الوزراء وربما تحديدا الامانة العامة للمجلس او ديوان سمو رئيس مجلس الوزراء مطالبان بتحديد هذه التصورات والاولويات اثناء الاجتماعات الاولى للحكومة لتكون هذه التصورات والخطوط العريضة بمنزلة نواة لبرنامج الحكومة العام الذي ينبغي من اعضاء الحكومة الوزراء العمل بموجبه وترجمة هذه التصورات والتوجهات إلى أرض الواقع من خلال برامج عمل تنفيذيةِ هذه الخطوة ستساعد على ضمان وتيرة عمل منسجم ومنتظم أيضا في مؤسسة مجلس الوزراء وتضمن - اضافة لذلك - العمل المتناغم من قبل الوزراء مع توجهات الدولة التي حددها مجلس الوزراء بدلا من حالات التقدم والتراجع والجمود التي كثيرا ما تتعرض لها خطط ومشاريع الدولة.
المستفيد بتقديري من هذه الخطوة طرفان: اولهما مؤسسة مجلس الوزراء، وثانيهما الوزراء انفسهم، حيث ستسهم عملية رسم التوجهات والاولويات الواضحة في الحد من اي انحراف محتمل من قبل اعضاء الحكومة، وبالتالي يتراجع الانجاز وتسقط الاولوياتِ كما سيحد ذلك من اجتهادات بعض اعضاء الحكومة التي قد تكون مفيدة وايجابية ولكنها ليست مناسبة من الناحية الزمنية بالمقارنة باولويات اخرىِ آلية العمل المقترحة ليست مختلفة عما بدأه سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الصباح، حفظه الله، في بدايات عمله حين بادر بزيارة وزارة الاشغال للتعرف على ابرز الخطط والمشاريع المطروحة والاستماع لاحتياجات التنفيذ ليس فقط من الوزير المعني، بل ايضا من قيادات الوزارة او من يمكن تسميتهم بالعاملين في مطبخ الوزارة، حيث ان الزيارة لم تتسم بالمجاملة، بل كانت زيارة عمل بهدف حسم المعوقات والتعجيل بالانجاز والتنفيذ للمشاريع التي تستحق الأولوية.
اما بالنسبة للحوار بين الحكومة والرأي العام، فيمكن للحكومة ان تستفيد من العدد الهائل من النقابات وجمعيات النفع العام، لا سيما المهنية منها والاتحادات وقادة العلم والفكر والرأي من خلال تفعيل دورهم المجتمعي والوطني عبر المشاركة في تقديم التصورات والمقترحات التي يمكن ان تشكل اساسا يساعد الحكومة على صياغة خططها ومشاريعهاِ وهي ايضا فرصة للتعرف على طبيعة الاحتياجات واهتمامات الرأي العام من خلال هذه المؤسساتِ المفيد في هذه الخطوة هو تحصين المشروع والقرار الحكومي بمرئيات ودعم هذه المؤسسات المتخصصة من اجل قطع الطريق على اي اتهام للحكومة بالانفراد في اتخاذ القرار وعدم تلمس احتياجات المجتمع وربما مواجهة الحكومة لمزايدات بعض اعضاء مجلس الامة التي يمكن ان تعطل المشروع الحكومي في الوقت الذي يكون فيه المشروع صالحا ومفيدا للبلد.
صحيح ان الاحزاب غير موجودة والعمل الحكومي ليس مرتبطا بآلية العمل الحزبي، لكن هذا لا يعني ان الحكومة يمكن ان تحرم من التواصل والاتصال مع المجتمع او انها عاجزة عن تلمس نبض الشارع واحتياجات ومتطلبات المواطن، فمن الممكن انجاز كل هذا، وربما تحقيق اكثر من ذلك اذا اعتمدت الحكومة على العمل المؤسسي والاستغلال الامثل للاجهزة والادوات المتوافرة لديهاِ ومن بين اجهزة الحكومة التي يمكن ان تلعب دورا رئيسيا في ارساء علاقات التعاون وآلية العمل المشترك مع مؤسسات المجتمع وكذلك مع مجلس الامة، وزارة مجلس الامة التي يلاحظ ان دورها يقتصر فقط على شخص الوزير ونشاطه وتحركاته وهو ما يمكن وصفه بالعمل الفردي وليس المؤسسي.
وزارة مجلس الامة ينبغي ان تصبح نافذة الحكومة التي تطل على مجلس الامة ومؤسسات المجتمع، وان تقود الحوار المطلوب مع الرأي العام، وتصحح مسار الاداء الحكومي وايضا مسار اداء المجلس التشريعي حين يتعرض اي منهما للشطط او الانحراف عن المسار الصحيح.
التوجهات الاصلاحية والايجابية التي يطرحها بعض نواب مجلس الامة، والمهتمون بالشأن والمصلحة العامة ليست حكرا عليهمِِ فهم، في نهاية المطاف، ابناء هذا الوطن، وينشدون المصلحة الوطنية، وهذا لا يعني ان الحكومة عاجزة عن الاصلاح، فهي ايضا تضم ابناء من هذا الوطن، لكن الملاحظة العامة هي ان المشاريع والخطط الرائدة لدى الحكومة لا تتحقق او تتعطل لاسباب اما خاصة بالحكومة نفسها او نتيجة انحراف في مسار العمل والتعاون بين السلطتين.
ان تعثر اداء الحكومة ليس بسبب غياب الرغبة في العمل والانجاز وانما بسبب عدم وجود آلية العمل المؤسسي التي تضمن اداء منسجما ومتناغما من جميع اعضاء الحكومة مع التوجهات العامة التي حددها مجلس الوزراء وبعيدا عن الاجتهادات الفردية التي قد تصيب او تخيب، او تكون ليست ذات اولوية.
اما بالنسبة لمجلس الامة فمكتب الرئاسة مطالب باستعجال اصدار اللائحة التنظيمية المنتظرة التي يمكن من خلالها ضبط الحوار والنقاش بين اعضاء مجلس الامة انفسهم وبينهم وبين الحكومة، الامر الذي من شأنه أن يعزز التركيز على الاولويات وعلى الانجاز.ناصر المحمد الصباح