16 أكتوبر 2026 آخر المقالات
قضايا عربية

مستقبل العراق والدعوات المشروعة وغير المشروعة

دعوات عديدة تشهدها الساحة السياسية حول سلامة ووحدة العراق، بعضها دعوات مخلصة ومشروعة، وبعضها الآخر غير واضحة المقصد والمعالم والدوافع أيضاً، وهذا ما يجعلها غير مشروعة. المخاوف والقلق على مستقبل العراق ووحدته وسيادته…

دعوات عديدة تشهدها الساحة السياسية حول سلامة ووحدة العراق، بعضها دعوات مخلصة ومشروعة، وبعضها الآخر غير واضحة المقصد والمعالم والدوافع أيضاً، وهذا ما يجعلها غير مشروعة. المخاوف والقلق على مستقبل العراق ووحدته وسيادته قضية مهمة للغاية لا يمكن أن يختلف عليها اثنان، بسبب أن العراق يشهد اليوم ظرفاً استثنائياً ودقيقاً للغاية، نتيجة عدم وجود سلطة عراقية من أجل تنظيم الحياة وتوفير الأمن والأمان للشعب العراقي، لكنها بالتأكيد عملية غير معقدة أو شائكة. فالمجتمع العراقي يزخر بعدد هائل من المفكرين والسياسيين القادرين على بلورة وصياغة مستقبل عراقي، كما ان تجربة العراق المريرة مع النظام المخلوع تظل حافزاً للعراقيين للمحافظة على العراق ودرء أي محاولات لاغتيال وحدة وسيادة بلادهم.

في العراق تطورات متسارعة تصاحبها اجتهادات ومساع لقوى سياسية وفكرية عراقية بشأن مستقبل العراق والنظام الذي يفترض أن يحكم العراق، ولعل هذه الاجتهادات والأعمال مشروعة طالما أنها تجري ضمن الأسرة العراقية ولصالح العراق في نهاية المطاف. في مقابل هذه التطورات هناك كما ذكرت دعوات عديدة تتردد حول سلامة العراق ووحدة أراضيه وسيادته، لكنها تحمل معها شبهة إلى حد ما وتثير ايضا تساؤلات موضوعية. فبعض المطالبين اليوم بسلامة العراق وسيادته هم نفس الأطراف التي تباكت قبل أيام على العراق والعراقيين إلى حد مناهضة عملية حرية العراق وتوجيه نقد للكويت أو تحفظ على سياستها، بسبب تعاونها مع قوات التحالف، بالرغم من أن هذا التعاون جاء تحت مظلة شرعية وقانونية دولية.

بالأمس عاصرنا هؤلاء المتباكين على العراق والمناهضين لتغيير نظام صدام ضاربين بعرض الحائط رأي الشعب العراقي وموقف القوى السياسية والفكرية العراقية إلى جانب خطر النظام على العراق والمنطقة ككل. واليوم يورد إلينا هؤلاء النفر حججاً مختلفة ومواعظ متنوعة من الصعب التعامل معها وتصديقها، فهي أشبه بالحملات المشبوهة التي تستهدف اغتيال العراق ووحدته وليس العكس.

ولعل ما يثير الشبهة والتحفظات في ما يبديه هؤلاء النفر هو ما يثيرونه في طيات احاديثهم ودعواتهم من ملاحظات وتساؤلات حول وجود القوات الاجنبية في العراق ومدة بقائها وفشلها في حفظ الأمن وتوفير الأمان نتيجة سقوط النظام الى جانب ما يثار حول أمور عرقية وطائفية ومذهبية.

ملاحظات وتعليقات عديدة يبديها هؤلاء الأشخاص والأطراف ضمن مخاوفهم على العراق، وهي في الواقع لا تصب في مصلحة ومستقبل العراق. فإثارة موضوعات وقضايا سابقة لأوانها أو غير واردة أصلاً في الأذهان العراقية، ليست لصالح العراق كالقضية الكردية والمشاركة الشيعية والعرب السنة والعشائرية وإطلاق الأحكام بشأن نيات ومواقف ممثلي القوى السياسية والفكرية في العراق وتصنيفهم كموالين للغرب وآخرين لإيران.

العراقيون، وكذلك المؤيدون الصادقون والمخلصون للعراق الموحد والمستقل، مطالبون بالحذر واليقظة في التعامل مع الدعوات والمناشدات التي تخرج إلى الساحة العربية بشأن العراق، ومن الضروري أن تجري عملية فرز دقيقة للأصوات والهويات والدوافع التي تقف وراء هذه الدعوات، ولا بد أن ندرك أن هناك أطرافاً وأشخاصاً يسعون إلى إفشال التحول الديمقراطي المتوقع في العراق، وبالتالي ترسيخ عدائها التقليدي ضد الغرب وربما إعادة الروح إلى نظام شبيه بالنظام المخلوع.

هناك تجربة ليست ببعيدة أدت إلى مواجهة غير مبررة بين العالمين الإسلامي والعربي مع الغرب وتحديداً أمريكا، نتيجة أحداث 11 سبتمبر تستوجب الاستفادة منها والالتفات لها، ولعل أول الدروس يكمن في فقدان العرب زمام الحوار والاتصال مع المجتمع الأمريكي وترك المجال لجهات وأشخاص تعبث وتسيء أيضاً للإسلام والعرب تحت غطاءات وهمية وزائفة أدت إلى تراجع أعمق في الرأي العام الأمريكي إزاء المجتمع العربي والإسلامي وبروز علاقة متوترة بين المسلمين والأمريكيين في داخل الولايات المتحدة وخارجها.

ولعل أول دروس التجربة تلك تقتضي الانتباه إلى ضرورة أن يشعر الطرف الآخر بصدق المشاركة والتعاون في معالجة الأزمات وأي ظروف طارئة، وهذا يقتضي زوال المواقف التقليدية والمسبقة ونظرية المؤامرة من أجل حوار فعال وتعاون مثمر.

كان بالإمكان للأطراف والشخصيات التي أبدت موقفاً حاداً ومعادياً ضد الحرب في العراق، أن تكون شريكاً فعالاً وربما مؤثراً مع الولايات المتحدة وبريطانيا، فيما لو اتخذت موقفاً عقلانياً وموضوعياً تجاه الأحداث في العراق، بل كان من الممكن أن تكون فعلاً سنداً لشعب العراق في تحقيق تطلعاته وتقرير مصيره لو استطاعت هذه الأطراف الاستماع الى رأي الشعب العراقي وتفهمت أيضاً الموقف الكويتي وكذلك الموقف الغربي.

اليوم العراق في دائرة الأحداث وكذلك المنطقة العربية ككل وبات مهماً للإعلام الأمريكي والغربي بصفة عامة متابعة ما يجري في العراق والمواقف الرسمية والشعبية في العالم العربي والإسلامي ككل، وهذا بحد ذاته يشكل فرصة تمنح كافة الأطراف أدواراً متكافئة في الحوار والنقاش وأيضاً في كسب الرأي العام الأمريكي لصالحنا إذا ما أحسنّا لغة الخطاب والتعامل مع المجتمع الأمريكي والمجتمع الغربي كأصدقاء وليس أعداء، كما انها مناسبة لتفويت الفرصة على بعض الأصوات المتطرفة والمعادية للعرب في أمريكا.

فرصة كهذه لا تتكرر في التاريخ ومن الواجب اليوم أن يكون هناك إدراك للمصالح وأيضاً احترام وتفهم لمصالح الغير ضمن مناخ مفعم بالصدق والنيات الحسنة تجاه الأطراف الأخرى وعلى أساس مبادئ سليمة وواضحة. ان الشراكة الحقيقية هي التي تستند إلى مواقف غير متطرفة ورؤية شمولية وليست ضيقة وهي أيضاً تجسيد القول بالفعل بعيداً عن المزايدات والعزف على أوتار النشاز والفتنة.

أبواب جهنم لم تنفتح كما توقع عمرو موسى، أمين عام الجامعة العربية، كما ان (العجلة) في تنفيذ عملية حرية العراق وطائرات (بـ52)، التي انتقدها موسى وآخرون، أدت إلى سقوط نظام ديكتاتوري في بغداد وبهجة عارمة في العراق، وبدء عهد جديد وتحول تاريخي نحو تدشين نظام ديمقراطي، وعلى هؤلاء الاعتراف بالأخطاء ووقف محاولات الترميم والتجميل للمواقف والآراء وهي المحاولات التي تدخل ضمن الدعوات غير المشروعة.

العراق

اقرأ أيضًا

قضايا عربية

“إيلاف”… منصة عالم التوحد

غابت خلال السنوات الماضية الكثير من المبادرات الإعلامية الهادفة، والحملات الممنهجة الرامية إلى تعزيز الوعي المجتمعي بقضايا صحية شديدة الأهمية، تلك التي تستدعي ترسيخ المعرفة في مراحلها المبكرة، سواء من حيث التشخيص، أو…

قضايا عربية

رسالة الصين

في الوقت الذي حصر الزعيم الصيني شي جينبينغ أخيراً رسالة بلاده إلى العالم حول “الحرب أو السلام، والحوار أو المواجهة”، ضم العرض العسكري الصيني شيئاً، وليس كل القوة الفتاكة لدولة عملاقة تطبق نظامين، سياسيين واقتصاديين.…

قضايا عربية

“الحالة” السورية

في تصريحات الرئيس السوري الموقت أحمد الشرع الأخيرة، تكرر قول “الحالة السورية” في تحليل، وتناول الأوضاع السياسية، والاقتصادية في بلاده، ومناقشة المحيط الجغرافي لسورية، وتطوراته، وتحدياته. يبدو أن الرئيس الموقت أحمد الشرع…