إعلام الفتن والتهم
بقلم: خالد أحمد الطراح ثمة معادلة صحفية، لها كارهون ومعارضون أكثر من المؤيدين والمحبين، وهي انه لا حياد في الصحافة، بمعنى انه لا بد من الانحياز لهذا الرأي أو ذاك الموقف سواء من خلال كتابة المقالات والتحليل أو حتى…
بقلم: خالد أحمد الطراح ثمة معادلة صحفية، لها كارهون ومعارضون أكثر من المؤيدين والمحبين، وهي انه لا حياد في الصحافة، بمعنى انه لا بد من الانحياز لهذا الرأي أو ذاك الموقف سواء من خلال كتابة المقالات والتحليل أو حتى بالنسبة للصحافيين والمراسلين الذين ينقلون الأخبار، حيث يرى الاعلاميون في هذه المعادلة ظاهرة صحية ومعادلة سليمة مقابل اعلام نشط وجاذب وسلطة رابعة قوية، ولكنهم يحرصون في آن واحد على ألا يتم استغلال هذه المعادلة وهذا المبدأ الصحفي لدس أعمال خبيثة يراد منها تحقيق غايات غير مهنية وغير أخلاقية ايضا. من الأعمال الخبيثة التي يرفضها الوسط الاعلامي هو تشويه الواقع وعمليات قلب الحقائق ونقل الوقائع والأحداث مبتورة صورة وتفصيلا، فحينها تخرج الأمور عن إطار المعادلة سالفة الذكر ومبادئ وأخلاق المهنة الصحفية، ويصبح هناك أجندة معينة وغايات لا علاقة لها بالاعلام والصحافة أو أي ركن من أركان السلطة الرابعة! معضلة الاعلام العربي اليوم، وبالتحديد الاعلام الفضائي، يبدو انها ستستمر الى ما لا نهاية أو لأمد بعيد على الأقل، فمن الملاحظ ان ثمة اصرارا ونزعة شديدة لدى بعض الفضائيات العربية في الابحار ضد الموضوعية والعقلانية، في الوقت الذي يفترض ان تتركز فيه الجهود والمساعي نحو اثراء تجربة الفضائيات العربية وتطوير ما حققته من انجازات. حين انطلق الاعلام الفضائي العربي قبل سنوات وبالتحديد الفضائيات الاخبارية المتخصصة، كان التحدي امامها كبيرا وشاقا، فالهدف الأساسي تمثل في تقديم البديل العربي لاعلام غربي متحيز، وايضا بديل عربي لاعلام عربي سيئ وتقليدي، وبالتالي الانتشار وتحقيق قاعدة جماهيرية واسعة داخل المنطقة العربية وخارجها، وقد تحقق فعلا هذا الهدف، وبات اليوم هناك جمهور عربي أو أجنبي يتابع ما تتناوله الفضائيات العربية الإخبارية. الدواعي والأسباب لايجاد اعلام عربي بديل للغربي، وكذلك لاعلام عربي بديل لعربي آخر، تبدو اليوم أكثر الحاحا من قبل في ضوء التوتر الذي يشوب العلاقات العربية والاسلامية مع الغرب من جهة، وايضا من حيث متطلبات التغيير والاصلاح والديموقراطية في المنطقة. الفضائيات الاخبارية العربية تمكنت، وبعضها في زمن قياسي، من ان تصبح احد مصادر الأخبار الرئيسية، وقد أثبتت الأحداث، في لبنان من قبل وفي افغانستان والعراق اليوم، تفوق الفضائيات العربية على قريناتها الأجنبية وهو انجاز عظيم لرحلة شاقة ومهمة صعبة ومكلفة ايضا. علامة الاستفهام البارزة التي تفرض نفسها أمام هذا الوضع هو خروج بعض الفضائيات من نطاق عدم الانحياز والمهنية الى نطاق توجيه الاتهامات وتشويه الحقائق والترويج لما هو غير موجود أساسا على الساحة في الوقت الذي تتعاظم فيه الانجازات! وقد تأكدت هذه الحقيقة خلال منتدى الاعلام العربي في دبي قبل أسابيع حين تصدى مجموعة من الاخوة العراقيين من كتاب ومثقفين الى بعض وسائل الاعلام العربية، وطالبوا بالتوقف عن الزج بالعراق في متاهات الفتنة والترويج لتناقضات عرقية وطائفية على غرار ما هو موجود في بعض البلدان العربية! بل طالب الاخوة العراقيون بترك الشأن العراقي للعراقيين إذا كانت هناك فعلا نوايا صادقة نحو العراق وشعبه، فالعراق بحاجة الى إعلام يهدئ النفوس ولا يروعها، إعلام يروج للوحدة الوطنية ولا يبث سموم التفرقة، إعلام يجلب صداقات حقيقية للعراق الجديد وليس عداءات لا حصر لها. ما يدعو اليوم الى القلق مجددا بشأن مسار الاعلام العربي وبالتحديد الفضائي والعابر للقارات، هو المنحى الخطر لبعض الفضائيات والصحف ايضا في تشويه حقائق ووقائع في بلدان غير عربية الى درجة العبث في شؤون هذه البلدان وإقحامها في دوامة التشويه وتلفيق التهمِ مثال على ذلك خبر طرد النائب العمالي جورج غالواي من حزب العمال، بعد خضوعة للتحقيق من لجنة حزبية داخلية في التهم المنسوبة إليه وهي من خمس نقاط أبرزها وأهمها، وهي التي استحوذت على اهتمام الرأي العام البريطاني، تحريض غالوي أفراد الجيش البريطاني على التمرد وعدم تلبية الأوامر وتأدية الواجب اثناء حرب العراقِ هذا الحدث تناولته من قبل إحدى الفضائيات العربية بصورة غريبة وبتجاهل شديد للحقيقة خاصة من حيث طبيعة وحجم التهم الموجهة الى النائب، وكذلك الاجراءات التي تم اتخاذها منذ شهور بهذا الشأن من أجل الوصول الى غاية محددة وهي التشكيك بالديموقراطية في بريطانيا وتصوير الديموقراطية البريطانية بأنها هشة ومشوهة! ولعل ما جاء على لسان الشيخ محمد بن راشد المكتوم ولي عهد دبي ووزير الدفاع اثناء افتتاح منتدى الاعلام العربي قبل اسابيع من نقد صريح للاعلام العربي في الابتعاد عن واقع المهنة وأخلاقها والإسهام في تضليل الرأي العام يؤكد مجددا ايضا المعضلة التي يعيشها الاعلام العربي برغم حجم الانجازات التي تحققت خلال السنوات الماضية. ملف الاعلام العربي كان ولايزال محملا بعلامات استفهام عديدة ولكن تلاشت التساؤلات الى حد ما في ضوء التطور الذي حدث في هذا المجال، خصوصا فيما يتعلق بشفافية بعض وسائل الاعلام في تناول أقرب الأحداث والتطورات اليها، والاهتمام بنقل الخبر والحدث في حينه بدلا من التركيز على الجوانب الترفيهية اضافة الى خوض التنافس المهني مع إعلام غربي متقدم. هناك العديد من الانجازات الاعلامية التي لا يمكن تجاهلها وهي جزء من رصيد انجازات اخرى تحققت على الصعيد الاعلامي كانجازات جريدة 'الشرق الأوسط' في اختراق العالم في وقت صعب للغاية، وكذلك في تمكن الامارات العربية المتحدة من أن تصبح نقطة تجمع لانطلاقة وتألق إعلامي عربي وأجنبي ايضا. أمر سهل جدا تحقيق التراجع او تجميد أي عمل بعكس التقدم وتحقيق الانجازات سيما في المجال الاعلامي فالخسارة شديدة ومكلفة ايضا في فقدان المصداقية وتقلص حجم الجمهور وعملية استعادة الوضع نفسه صعبة للغاية ومكلفة بأضعاف الأضعاف وعلى القائمين والمستثمرين في الفضائيات المتهمة بالخروج عن أخلاق المهنة وتضليل الرأي العام، إدراك ان ما قد يجنونه اليوم من رواج وانتشار لهذه الفضائيات، ليس الا أمرا مؤقتا يمكن ان يستبدل في أي وقت وربما ايضا في وقت قياسي بمشاريع اعلامية أخرى من داخل المنطقة أو خارجها. |