الإعلام الفضائي والبديل المحتمل
ثمة معادلة صحفية لها كارهون ومعارضون أكثر من المؤيدين والمحبين وهي أنه لا حياد في الصحافة بمعنى أنه لا بد من الانحياز لهذا الرأي أو ذاك الموقف سواء من خلال كتابة المقالات والتحليل أو حتى بالنسبة للصحافيين والمراسلين…
ثمة معادلة صحفية لها كارهون ومعارضون أكثر من المؤيدين والمحبين وهي أنه لا حياد في الصحافة بمعنى أنه لا بد من الانحياز لهذا الرأي أو ذاك الموقف سواء من خلال كتابة المقالات والتحليل أو حتى بالنسبة للصحافيين والمراسلين الذين ينقلون الأخبار حيث يرى الإعلاميون في هذه المعادلة ظاهرة صحية ومعادلة سليمة مقابل إعلام نشط وجاذب وسلطة رابعة قوية ولكنهم يحرصون في آن واحد على ألا يتم استغلال هذه المعادلة وهذا المبدأ الصحافي لدس أعمال خبيثة يراد منها تحقيق غايات غير مهنية وغير أخلاقية أيضاً.
من الأعمال الخبيثة التي يرفضها الوسط الإعلامي هو تشويه الواقع وعمليات قلب الحقائق ونقل الوقائع والأحداث مبتورة صورة وتفصيلاً، فحينها تخرج الأمور عن إطار المعادلة سالفة الذكر ومبادئ وأخلاق المهنة الصحفية وتصبح هناك أجندة معينة وغايات لا علاقة لها بالإعلام والصحافة أو أي ركن من أركان السلطة الرابعة! معضلة الإعلام العربي اليوم وبالتحديد الإعلام الفضائي تبدو أنها ستستمر إلى ما لا نهاية أو لأمد بعيد على الأقل، فمن الملاحظ أن ثمة إصرارا ونزعة شديدة لدى بعض الفضائيات العربية في الإبحار ضد الموضوعية والعقلانية في الوقت الذي يفترض أن تتركز فيه الجهود والمساعي نحو إثراء تجربة الفضائيات العربية وتطوير ما حققته من إنجازات.
حين انطلق الإعلام الفضائي العربي قبل سنوات وبالتحديد الفضائيات الاخبارية المتخصصة كان التحدي أمامها كبيراً وشاقاً فالهدف الأساسي تمثل في تقديم البديل العربي لإعلام غربي متحيز وأيضاً بديل عربي لإعلام عربي سيئ وتقليدي وبالتالي الانتشار وتحقيق قاعدة جماهيرية واسعة داخل وخارج المنطقة العربية وقد تحقق فعلاً هذا الهدف وبات اليوم هناك جمهور عربي أو أجنبي يتابع ما تتناوله الفضائيات العربية الاخبارية.
الدواعي والأسباب لايجاد اعلام عربي بديل للغربي وكذلك لإعلام عربي بديل لعربي آخر تبدو اليوم أكثر الحاحاً من قبل في ضوء التوتر الذي يشوب العلاقات العربية والاسلامية مع الغرب من جهة وايضاً من حيث متطلبات التغيير والاصلاح والديمقراطية في المنطقة.
الفضائيات الاخبارية العربية تمكنت، وبعضها في زمن قياسي أن تصبح احد مصادر الاخبار الرئيسية وقد أثبتت الاحداث في لبنان من قبل وفي افغانستان والعراق اليوم على تفوق الفضائيات العربية على قريناتها الاجنبية وهو انجاز عظيم لرحلة شاقة ومهمة صعبة ومكلفة ايضاً.
علامة الاستفهام البارزة التي تفرض نفسها أمام هذا الوضع هو خروج بعض الفضائيات من نطاق عدم الانحياز والمهنية الى نطاق توجيه الاتهامات وتشويه الحقائق والترويج لما هو غير موجود اساساً على الساحة في الوقت الذي تتعاظم فيه الانجازات! وقد تأكدت هذه الحقيقة خلال منتدى الاعلام العربي في دبي قبل اسابيع حين تصدت مجموعة من الاخوة العراقيين من كتاب ومثقفين الى بعض وسائل الاعلام العربية وطالبوا التوقف عن الزج بالعراق في متاهات الفتنة والترويج لتناقضات عرقية وطائفية على غرار ما هو موجود في بعض البلدان العربية! بل طالب الاخوة العراقيون بترك الشأن العراقي للعراقيين اذا كانت هناك فعلاً نوايا صادقة نحو العراق وشعب العراق فالعراق بحاجة إلى اعلام يهدئ النفوس ولا يروعها، إعلام يروج للوحدة الوطنية ولا يبث سموم التفرقة، إعلام يجلب صداقات حقيقية للعراق الجديد وليس عداءات لا حصر لها.
ما يدعو اليوم إلى القلق مجدداً بشأن مسار الإعلام العربي وبالتحديد الفضائي والعابر للقارات هو المنحى الخطر لبعض الفضائيات والصحف ايضاً في تشويه حقائق ووقائع في بلدان غير عربية الى درجة العبث في شؤون هذه البلدان واقحامها في دوامة التشويه وتلفيق التهم. مثال على ذلك خبر طرد النائب العمالي جورج غالواي من حزب العمال بعد خضوعه للتحقيق من لجنة حزبية داخلية في التهم المنسوبة اليه وهي من خمس نقاط ابرزها واهمها، وهي التي استحوذت على اهتمام الرأي العام البريطاني، تحريض غالواي أفراد الجيش البريطاني على التمرد وعدم تلبية الأوامر وتأدية الواجب أثناء حرب العراق. هذا الحدث تم تناوله من قبل احدى الفضائيات العربية بصورة غريبة وبتجاهل شديد للحقيقة وخاصة من حيث طبيعة وحجم التهم الموجهة الى النائب وكذلك الاجراءات التي تم اتخاذها منذ شهور بهذا الشأن من اجل الوصول الى غاية محددة وهي التشكيك في الديمقراطية في بريطانيا وتصوير الديمقراطية البريطانية بأنها هشة ومشوهة!!
ولعل ما جاء على لسان الشيخ محمد بن راشد المكتوم ولي عهد دبي ووزير الدفاع أثناء افتتاح منتدى الإعلام العربي قبل أسابيع من نقد صريح للإعلام العربي في الابتعاد عن واقع المهنة واخلاقها والاسهام في تضليل الرأي العام يؤكد مجدداً ايضاً المعضلة التي يعيشها الإعلام العربي برغم حجم الانجازات التي تحققت خلال السنوات الماضية.
ملف الإعلام العربي كان ولا يزال محملا بعلامات استفهام عديدة ولكن تلاشت التساؤلات الى حد ما في ضوء التطور الذي حدث في هذا المجال وخصوصاً فيما يتعلق بشفافية بعض وسائل الاعلام في تناول أقرب الاحداث والتطورات اليها والاهتمام بنقل الخبر والحدث في حينه بدلاً من التركيز على الجوانب الترفيهية اضافة الى خوض التنافس المهني مع إعلام غربي متقدم. هناك العديد من الانجازات الاعلامية التي لا يمكن تجاهلها وهي جزء من رصيد انجازات اخرى تحققت على الصعيد الإعلامي كانجازات جريدة «الشرق الأوسط» في اختراق العالم في وقت صعب للغاية وكذلك في تمكن الامارات العربية المتحدة من ان تصبح نقطة تجمع لانطلاقة وتألق اعلامي عربي واجنبي ايضا.
امر سهل جداً تحقيق التراجع أو تجميد أي عمل بعكس التقدم وتحقيق الانجازات لا سيما في المجال الاعلامي فالخسارة شديدة ومكلفة ايضاً في فقدان المصداقية وتقلص حجم الجمهور وعملية استعادة الوضع نفسه صعبة للغاية ومكلفة بأضعاف الاضعاف وعلى القائمين والمستثمرين في الفضائيات المتهمة بالخروج عن أخلاق المهنة وتضليل الرأي العام إدراك أن ما قد يجنونه اليوم من رواج وانتشار لهذه الفضائيات ليس إلا أمراً مؤقتاً يمكن ان يستبدل في أي وقت وربما أيضاً في وقت قياسي بمشاريع إعلامية أخرى من داخل أو خارج المنطقة.
الشرق الاوسط