16 أكتوبر 2026 آخر المقالات
قضايا دولية

ثقافة الموت والفكر الانتحاري

تثير الاحداث المأساوية التي شهدتها اسطنبول والرياض مؤخرا، مزيجا من مشاعر الفزع والالم والحسرة، بقدر ما تثير من حيرة وتساؤلات، فضحايا الاحداث وهول فجيعة اسرهم والمجتمع ككل، وطبيعة العمليات الارهابية الاخيرة، كفيلة بجعل…

تثير الاحداث المأساوية التي شهدتها اسطنبول والرياض مؤخرا، مزيجا من مشاعر الفزع والالم والحسرة، بقدر ما تثير من حيرة وتساؤلات، فضحايا الاحداث وهول فجيعة اسرهم والمجتمع ككل، وطبيعة العمليات الارهابية الاخيرة، كفيلة بجعل عملية فهم او البحث عن اجابة بسيطة لمسلسل الارهاب صعبة للغاية ومعقدة في مجملها.

في الواقع تبدو عملية عبثية وغير منطقية اطلاقا ان يتم تحليل هذه الاحداث بقصد آخر غير تحليلها، والبحث عن الدوافع والاسباب وراءها. فهي عمليات غير مشروعة ولا يمكن تبريرها او تفهمها في اي حال من الاحوال، ومن غير الصواب تجزئة النظر والموقف من الارهاب.

معظم التحاليل والتعليقات التي صدرت منذ بدء مسلسل الارهاب في السعودية بالتحديد، كانت مفيدة وموضوعية، باستثناء البعض منها، الذي قصد الربط المباشر او غير المباشر بين عمليات الارهاب التي تتعرض لها السعودية وبطء او غياب الاصلاحات السياسية والاجتماعية.

ان الاصلاح السياسي والاجتماعي لم يعد اليوم قضية تدركها فقط النخبة المثقفة في المجتمع، كما انها لم تعد جزءا من عمل سري كما كان يحصل في السابق. فعملية الاصلاح السياسي باتت مطلبا تفرضه ظروف داخلية واخرى خارجية. وهي ايضا احدى الركائز الاساسية المطلوبة لحماية اي نظام سياسي، وهذه الحقيقة يدركها ويؤيدها الاخوة في السعودية، والقيادة السعودية ايضا ليست بمعزل عن هذا الادراك والتأييد.

ليس المقصود من هذه الجزئية البسيطة التقليل من شأن اهمية مشاريع الاصلاح السياسي والاجتماعي في المملكة العربية السعودية، وليس المقصود ايضا، اعطاء التبريرات لما فات من التاريخ، فالقضية هنا ليست قضية اصلاح وانما قضية خلط في الامور والظروف بصورة غير منطقية، اذ لا يجوز تحليل او ترجمة ما تتعرض له الرياض من مسلسل ارهابي على ان سببه غياب او بطء الاصلاحات. فمن المؤكد ان الاصلاح السياسي والاجتماعي لن يأتي على يد ارهابيين، بل ان مشاريع الاصلاح تعد الضوء الكاشف الذي يمكن ان يعري الجماعات المتطرفة ويبرهن على الحالة المرضية والشاذة التي تعاني منها هذه الجماعات. كما ان ما تنادي به هذه الجماعات المتطرفة لا يهدف الى تطوير وحماية المجتمع المدني، بل على العكس فهي تسعى الى تفكيكه وتدميره.

ان عملية المراجعة والتحليل للاحداث المأساوية التي شهدتها السعودية والمنطقة ككل منذ فترة، هي ضرورة ملحة تستوجب التركيز في جوانب مفيدة وهامة من اجل مواجهة هذه الظاهرة البشعة، التي باتت تتستر حينا خلف ستار الديمقراطية وحينا خلف الدين، فيما يستمر سقوط الضحايا ويتنامى حجم الخطر على كل اسرة وفرد في المنطقة.

لا بد من اليقظة والحذر في تناول هذه القضية، فعملية الخلط والربط غير المنطقي والتوغل في عملية بحث ونبش في بعض التفاصيل قد تجعل المسافة الى المواجهة والتصدي اكبر مما نتصور وربما اصعب واكثر تعقيدا مما نتوقع ويستفيد في نهاية المطاف من هم وراء التفجيرات والعمليات الانتحارية! وقد يكسبون ايضا العامل الزمني في استقطاب عناصر جدد والتمكن من التغرير بهم!

هناك اولويات ينبغي ادراكها كما هناك محاذير تستوجب الانتباه اليها ولعل ابرز الاولويات تكمن في ضرورة التصدي الى ثقافة الموت والفكر الانتحاري من اجل منع وقوع المزيد من الشباب في فخ التطرف والتشدد وبالتالي تفكيك الولاء الاعمى لعدد هائل من الشباب الذي ربط مصيره مع مصير فئة مريضة وضالة.

اولويات عديدة ينبغي الاهتمام بها والتركيز عليها، اما المحاذير فهي ايضا ليست بالقليلة، واهمها الربط الاعمى وغير المنطقي لتفسير الاحداث الارهابية في الرياض على انها بسبب الاصلاح، وفي الكويت بسبب التواجد الاجنبي والانسياق وراء مقاصد مزيفة وغير سليمة.

الحقيقة تستدعي المراجعة والتدقيق فيما يحدث في السعودية والكويت والمنطقة ككل، من تنامي انتشار واسع لظاهرة تصدير الموت والفكر الانتحاري والتشويه المتعمد للاسلام والاساءة للمسلمين، وهذا كله يقتضي المكاشفة والشفافية، فثمة خلل واضح في اجراءات الرقابة والرصد لما يجري خلف كواليس العمل الخيري والجهات النفعية وكذلك لدى بعض الافراد القائمين على هذه المؤسسات والجهات.

ويستدعي الواقع ايضا ان ينتبه جميع العاملين في مجالات العمل الخيري وكذلك المؤسسات الدينية، الى وجود ظاهرة خطرة بين صفوف الشباب، وهي ظاهرة الموت والانتحار، باعتبار ان ما يقومون به يصب في الجانب الجهادي للاسلام، وهو امر خطير للغاية وينذر بعواقب اخطر، والمسؤولية تحتم تنقية اذهان هؤلاء الشباب وتصحيح المفاهيم من ما تعرضوا له من تعبئة وشحن للعواطف.

ولعل ما يجعل اهمية تركيز العمل والنظر الى هذه الجوانب هو اتساع دائرة الخطر والتهديد، فالعمليات التي نفذت، في البداية، في منطقة الخبر في السعودية، وفي اليمن، كانت تستهدف اهدافا اجنبية على حد تعبير منفذي هذه العمليات، بينما العمليات الاخيرة باتت تستهدف مدنيين ابرياء من جنسيات مختلفة، وهذا ما يبرهن على تعرض المنطقة لمخطط ارهابي بحت ليس له اي علاقة بالاصلاح والاسلام.

اسطنبول

اقرأ أيضًا

قضايا دولية

حريات تحترق

يمكن تصنيف الجرائم المرتكبة بحق الحريات الإعلامية، وقيم الحوار وحرية التعبير، ومناخ التعددية الفكرية، ضمن أفظع الجرائم التي تُرتكب في حق المجتمعات والأمم. وقد أصبحت المؤشرات والدلائل على التهديدات المتصاعدة التي تستهدف…

قضايا دولية

الإخوان المسلمون في عين الكويت

البيان الذي أصدرته جماعة في الكويت – الحركة الدستورية – في اليوم التاسع من العدوان على دول الخليج، خلا من إدانة صريحة، بل حتى غير مباشرة، للعدوان الإيراني على دول مجلس التعاون الخليجي. ولا يبدو هذا الموقف مفاجئاً لمن…

قضايا دولية

الكويت على المحك

يمكن التوقع أو التنبؤ إن الكويت ستواجه حملة إعلامية ضدها أو ستخوض معركة غير متكافئة مع الإعلام الغربي نتيجة تقارير دولية عن السياسات الخاصة بسحب الجناسي وفقدها بسبب “التزوير”، وسحب جناسي مواطنات المادة الثامنة،…