“الخليجي” بين إرث التأسيس وتحديات التطوير
في الذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس ، نستحضر رؤية خليجية ثاقبة قادها الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، طيب الله ثراه، بدعم من قادة دول الخليج، رحمهم الله، لإقامة كيان خليجي موحّد يقوم على التنسيق والتكامل وحماية المصالح…
في الذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس مجلس التعاون الخليجي، نستحضر رؤية خليجية ثاقبة قادها الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، طيب الله ثراه، بدعم من قادة دول الخليج، رحمهم الله، لإقامة كيان خليجي موحّد يقوم على التنسيق والتكامل وحماية المصالح المشتركة. وعلى امتداد العقود الماضية، شهد المجلس خلافات وتباينات بين بعض الدول الأعضاء، إلا أن الحكمة الخليجية، وروح المسؤولية، نجحتا في احتواء تلك الخلافات، ومعالجتها بتأنٍ وحرص على وحدة البيت الخليجي.
كما برزت في الفترة الأخيرة تباينات جديدة بين شقيقتين من الدول الأعضاء، وهي خلافات نأمل أن تُطوى صفحاتها بعيداً عن ضجيج الإعلام، وتشنجات وانفعالات منصات التواصل الاجتماعي. لقد حقق “مجلس التعاون” الخليجي نجاحات بارزة في الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، ورسّخ مفهوم المصير الخليجي المشترك، وأثبت في أكثر من محطة إقليمية ودولية قدرته على التنسيق، وتوحيد المواقف في مواجهة التحديات والمتغيرات. وفي الجانب الأمني، شكّل التنسيق الخليجي مظلة ستراتيجية مهمة لحماية أمن المنطقة واستقرارها، خصوصاً في ظل ما شهدته المنطقة من حروب، ونزاعات، وأزمات، ومشروعات توسعية، ومحاولات اختراق سياسي وأمني استهدفت دول الخليج مباشرة، وغير مباشر. ولقد برهن المجلس، وقادته وحكوماته، وشعوبه، ودوله الأعضاء، عن تضامن غير محدود مع الكويت إبان الغزو العراقي على المستويات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والشعبية. وكان للمجلس دور بارز في بلورة موقف دولي داعم لنصرة الكويت، ودعم الشرعية، وتحريرها من الغزو العراقي الآثم، وهي محطة تاريخية أكدت أهمية العمق الخليجي، ووحدة المصير المشترك. وبعد رحلة خمسة وأربعين عاماً من تأسيس “مجلس التعاون” الخليجي، تبدو المراجعة ضرورة سياسية لتطوير هذا الكيان، وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات والمتغيرات، الإقليمية والدولية. ومن بين الأولويات السياسية المهمة للغاية، تطوير الكيان الخليجي إلى صيغة أكثر تماسكاً تقوم على اتحاد سياسي واقتصادي، انسجاماً مع المادة الرابعة من النظام الأساسي التي أشارت منذ تأسيسه عام 1981 إلى أن قيام “مجلس التعاون” الخليجي يمثل توطئة نحو اتحاد يحمي مصالح دول المنطقة وشعوبها من الاضطرابات، والخلافات، والاستقطابات التي قد تستهدف مصالح الدول الأعضاء. ولا يقل أهمية عن ذلك العمل على إنشاء مركزٍ خليجي للأبحاث والدراسات الستراتيجية، وتطوير وحدات إدارة الأزمات وفق أسس علمية ومهنية راسخة، مع فتح المجال أمام مشاركة المختصين، وأصحاب الخبرة من مختلف دول الخليج، بهدف استشراف المستقبل، وتحليل التحديات، وتطوير آليات العمل نحو اتحاد خليجي. إن المرحلة المقبلة تفرض على دول الخليج إعادة تطوير أدوات العمل المشترك، وتعزيز التنسيق الإعلامي والسياسي والاقتصادي، وتحصين المجتمعات والدول الخليجية من حملات التحريض، والاستقطاب، والاصطفافات العشوائية. ويبقى “مجلس التعاون” احدى أهم التجارب العربية المعاصرة وأكثرها استمرارية، بما يحمله من إرث سياسي وستراتيجي يعكس عمق الروابط التاريخية والاجتماعية بين شعوب الخليج ودوله، ويؤكد أن أمن الخليج واستقراره، ووحدته، مسؤولية مشتركة لا تحتمل التهاون، أو الانقسام.