الحوار العربي والشريك الأجنبي
بقلم: خالد الطراح السادس والعشرون من فبراير، هو اليوم الذي يحتفل فيه الكويتيون كل عام بذكرى تحررهم من الاحتلال، وبذكرى تحريرهم من ربقة طاغية العراق. أتت ذكرى التحرير هذا العام في ظروف واجواء مختلفة تماما عن تلك التي…
بقلم: خالد الطراح السادس والعشرون من فبراير، هو اليوم الذي يحتفل فيه الكويتيون كل عام بذكرى تحررهم من الاحتلال، وبذكرى تحريرهم من ربقة طاغية العراق. أتت ذكرى التحرير هذا العام في ظروف واجواء مختلفة تماما عن تلك التي عاشتها الكويت في السنوات السابقة: فللمرة الاولى منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود تطل علينا نسمة من الاستقرار تبعث على التفاؤل، مصدرها سقوط طاغية العراق وزوال الخطر الذي كان يمثله سواء على الكويت مباشرة او على المنطقة ككل. وزوال النظام الدكتاتوري السابق يشكل مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، ويبعث الامل في ان يكون النظام الجديد الذي يولد الآن في العراق نظاما ديموقراطيا قادرا على استيعاب كل اطياف المجتمع العراقي، وقادرا ايضا على نقل العراق الى مرحلة تمكن الدولة الجديدة من التمتع بثرواتها في هدوء وامان، وتسمح للعراقيين بان يستمتعوا بخيرات بلادهم وان يعملوا، شأنهم شأن بقية المواطنين في انحاء عديدة من المعمورة، من اجل تنمية وتطوير بلادهم، خصوصا انهم يتمتعون بمستويات ثقافية وعلمية متقدمة. ان زوال نظام صدام حسين لا شك انه يزيل من ذاكرة البشرية - ويزيل عن كاهل المجتمع الدولي - تهديدا خطيرا كان ماثلا امامها لفترة طويلةِ كما ان زوال هذا النظام قد فتح الابواب على مصراعيها امام مجالات التقدم وآفاق التطور، وسمح بعودة الامن والطمأنينة إلى العراق ومنطقة الخليج ايضا. ومع ذلك فان ذكرى تحرير الكويت ستظل تثير تساؤلات عديدة، بعضها تساؤلات كويتية - عراقية، وبعضها الآخر ذو طابع عربي. وربما كانت التساؤلات الكويتية - العراقية تتمثل الى حد كبير في الجوانب الثقافية والاقتصادية والسياسية، فثمة تراكمات ثقافية ومعنوية غير موضوعية وغير عادلة ايضا بحق البلدين، كان مبعثها ممارسات النظام الصدامي خلال العقود المنصرمة من خلال تضليل الرأي العام العراقي وتشويه الحقائق وترسيخ ثقافة عدائية ضد الكويتِ وثمة خلل آخر في الجانب الاقتصادي جعل العراق يتخلف كثيرا بدلا من ان يتقدم ويتطور، وقد حان الوقت لإصلاح هذا الخلل واعادة الامور الى نصابها. في السنوات الماضية، كنا نقول ان ما يحدث في العراق هو بسبب سوء الماكينة الاعلامية الصدامية، وهي الماكينة التي لم يجرؤ احد على التصدي لها او مواجهتها بأي شكل من الاشكال بسبب الخوف والرعب من هذا النظامِ اما الآن، فلا يمكن الاستمرار في توجيه اللوم إلى النظام السابق لما يعانيه العراق من تخلف اقتصادي ومخزون ثقافي غير عادلِ فقد انتهى النظام واختفت سطوته، وادرك قطاع عريض من مفكري العراق ومثقفيه الذين عاشوا داخل وطنهم، او تغربوا خلال ثلاثين عاما من الاستبداد - ادركوا الآن بحسهم انه كان ثمة افتعال لهذه العدائية غير المبررة تجاه الكويت، وانه ينبغي عليهم الآن ان يتفرغوا لمكافحة ومحاربة هذا الفكر العدائي وتطهير المناهج الفكرية والدراسية مما قد يؤدي الى تشويه تاريخ الشعب العراقي او المساس بتاريخ الشعب الكويتي والعلاقات الاخوية بين البلدين. لا شك ان عملية مهمة مثل هذه لا يمكن لها ان تسير في اتجاه واحد، فالمسؤولية ليست عراقية فقط، بل هي كويتية ايضا وبالتأكيدِ ويقع على الجانب الكويتي عبء العمل على تنقية هذه الاجواء الثقافية والحد مما قد تثيره هذه الانفعالات التي خلفها الغزو وتليين بعض المواقف الحادة والمتطرفة التي ما زالت تسيطر على البعض في الكويت والعراقِ كما يمكن للكويتيين بخبراتهم واتصالاتهم المعروفة على المستوى التجاري ان يلعبوا دورا مهما وبارزا في اعادة اعمار العراق، وان يكونوا شركاء اساسيين في معافاة الاقتصاد العراقي. اما في الجانب العربي، فربما يكون غير مفيد ان يخوض الانسان مرة اخرى في مواقف الدول التي وقفت مع الغزو وبررته، او تحليل هذه المواقف والبحث عن مبرراتها واسبابها، فذلك كله لن يغير من صورة التاريخ او شكله. وربما يكون ما يجب عمله اليوم هو التركيز على اعادة النظر في مفهوم الوحدة العربية وغيرها من المفاهيم التي شاعت بيننا وترددت في السنوات الاخيرة، وذلك بهدف تجنيب الشارع العربي عبء دفع الثمن لعمليات التضليل والتشويه المقصودة التي مارستها بعض الانظمة في السابق. ولعل المدخل الاسلم لإعادة التثقيف ولإعادة النظر في هذه الطروحات، يكون من خلال نافذة جامعة الدول العربيةِ فثمة نصوص وبنود في ميثاق الجامعة قد تكون في حاجة الى تنقيح وتعديل، وما الى ذلك من حذف واضافة ناهيك عن اعادة هيكلة الجامعةِ ومن المفترض ان ننظر الى جامعة الدول العربية، ونتمعن ونتفحص كافة الاخطاء التي وقعت فيها الجامعة منذ غزو الكويت، وكذلك تبني العديد من المسؤولين فيها لفكرة الغزو انتهاء بالملابسات والتحفظات التي اثيرت خلال فترة حرب تحرير العراق. المطلوب اذن هو اعادة النظر في ميثاق الجامعة ودراسة بنوده وتفحص كل النصوص التي لا تنسجم مع متطلبات هذه المرحلة، وكذلك احتياجات المستقبلِ ومن المهم بمكان التأكيد على ان عملية اعادة النظر هذه لا يجب ان تنحصر في اعادة الهيكلة الادارية والمالية، بل يجب ان تمتد وتشمل اعادة صياغة وتشكيل الميثاق نفسهِ والهدف من كل ذلك ان تكون لدينا مؤسسة اقليمية تحافظ على مصالح المنطقة والدول الاعضاء، وتكرس الاحترام بين الدول الاعضاء لسياساتها ومصالحها، وان تعمل هذه المؤسسة بالأسس والقواعد نفسها التي تعمل بها المؤسسات الاقليمية الاخرى في العالم، فهي في النهاية مؤسسات يجب ان تنصاع لارادة ومصالح الدول الاعضاء وتستجيب لمطالبها وتوجهاتها، وتنأى بنفسها عن اهواء العاملين فيها واغراض القائمين على امورها، اضافة الى ضرورة ان تتطور هذه المؤسسات وتجلب في الوقت ذاته التطوير والتغيير ضمن البلدان الاعضاء حتى يخرج الجميع من عباءة الماضي. التغيير والتجديد في منهج الجامعة العربية وفلسفة عملها ضروريان، واذا ما نجح التغيير من داخل الجامعة، وتبدل واختلف ايضا اسلوب العمل فمن الممكن عندها احداث تغييرات جذرية في لغة الخطاب العربي - العربي، وكذلك الخطاب العربي - الغربي انتهاء بتعديل المناهج الدراسية واساليب التعليم من اجل اجيال عربية تجيد حوار المصالح، وتحترم دور الشريك الاجنبي في التحولات التي تحتاجها المنطقة. |