17 أكتوبر 2026 آخر المقالات
قضايا خليجية

تأملات في اختناق الهدنة

الهدنة بين واشنطن وطهران، بعد نحو أربعين يومًا من الضربات الموجعة لإيران، ومقتل رموز نظام الولي الفقيه من خامنئي إلى ما دونه، وفي ظل مصير مجهول لمجتبى، وريث عرش والده خامنئي، لا يمكن قراءتها على أنها تمهيد لاتفاق سلام…

الهدنة بين واشنطن وطهران، بعد نحو أربعين يومًا من الضربات الموجعة لإيران، ومقتل رموز نظام الولي الفقيه من خامنئي إلى ما دونه، وفي ظل مصير مجهول لمجتبى، وريث عرش والده خامنئي، لا يمكن قراءتها على أنها تمهيد لاتفاق سلام دائم.

فالهدنة القائمة على شروط قابلة للتفاوض، قبولًا ورفضًا من جانب الولايات المتحدة، قد تنهار ولا يطول أمدها، غير أن القراءة السياسية المتأنية تفرض الاعتراف بالهزيمة الإيرانية، ولا يجوز تسميتها بغير ذلك.

ومع ذلك، فإن الهدنة لا تعني سوى الولايات المتحدة، أما أذرع إيران في العراق واليمن ولبنان، فهي في حلٍّ من التزاماتها، ويمكن أن تستمر حرب الصواريخ والمسيّرات على دول الخليج، كما حدث في الساعات الأولى بعد إعلان الهدنة.

وسيستعيد الخليجيون، حتمًا، ضجيج الشظايا التي طالت البشر والمنازل، وضربات الصواريخ والمسيّرات التي أطلقتها إيران، فخيار الحرب مع إيران لم يكن خيارًا خليجيًا، ولم يستهدف العدوان الإيراني المصالح الأميركية في الخليج كما تزعم طهران، بل طالت مصالح خليجية مدنية.

وبعد الهدنة، برزت ملامح أفراحٍ غير مرئية لدى أصوات موالية لدولة الولي الفقيه، التي مجّدت “الجمهورية الإسلامية” باعتباره الاسم الرسمي لإيران، وكأننا في محفل إقليمي أو دولي تحكمه الأعراف والقوانين والاتفاقيات.

فالهدنة، في جوهرها، مجرد تهدئة عسكرية وتهيئة لأجواء تفاوضية، لا تهدئة للنفوس بين أطراف الحرب والعدوان الإيراني، إذ إن النفس الغربية لا تحمل الضغينة بمعناها الاجتماعي والديني التقليدي، على خلاف النفس الإيرانية المشبعة بالكراهية الاجتماعية والطائفية، والعدائية تجاه الغرب والعرب.

إن دروس حرب إيران لا ترتقي إلى كونها دروسًا في العلاقات الدولية بقدر ما هي دروس في العلاقات العربية الخليجية، إلى جانب أبعاد دينية يمكن تصديرها إلى الحوزة، أو إلى دارسي تاريخ نظام الولي الفقيه، وتلاميذ أوهام الثورة الإيرانية.

وتحتاج مناقشة هذه الدروس، عربيًا ودينيًا، إلى مساحة أوسع، فالمواقف العربية المضطربة، بما في ذلك موقف الجامعة العربية، تستدعي مراجعة شاملة وجادة من دون مواربة ولا مدارة.

لقد خلّف العدوان الإيراني على الخليج شروخًا عميقة في العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي، يصعب، إن لم يكن مستحيلًا، ترميمها بالصورة التي تتمناها طهران، أو التي ينسجها خيال الملالي والحرس الثوري.

فجرائم إيران وأذرعها، ولا سيما في العراق، قبل الهدنة وبعدها، لا يمكن تجاوزها باتفاقات هشة، أو تنازلات عاطفية، أو تدخلات دينية، ما لم تُصَغِ الأسس السياسية والاستراتيجية على قواعد متينة، وبضمانات دولية واضحة.

لقد شهدت العلاقات الإيرانية الخليجية اضطرابات متكررة، وازدواجية في المعايير، خصوصًا مع الإصرار الإيراني على تصدير الثورة الخمينية، ونصرة الشيعة العرب، وتأجيج الصراعات الطائفية في دول الخليج، وتقليب الفتن الدينية والاجتماعية.

فكيف يمكن أن تستقيم العلاقات بين دول الخليج وإيران، حتى في ظل الهدنة، مع استمرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات من ميليشيات عراقية تتحكم بها إيران عسكريًا وسياسيًا؟ الجواب: لا تستقيم.

وهل يمكن أن تستقيم في ظل هذا التناقض الصارخ، إذ ناشدت طهران دول الخليج للضغط على واشنطن لوقف الحرب، في الوقت الذي تستهدف فيه المصالح الخليجية المدنية بضربات مكثّفة؟

لقد تعقّدت العلاقات الخليجية الإيرانية إلى حد دخول عوامل دينية واجتماعية شعبية خليجية على خط المواجهة الإقليمية، بما يفرض إعادة صياغة هذه العلاقات مستقبلًا على أسس مختلفة عمّا كان سائدًا، خصوصًا منذ ما بعد الثورة الإيرانية وحتى العدوان الأخير على دول الخليج.

الهدنة، بالنسبة إلى إيران الخمينية، ليست سوى فرصة لمفاوضات شكلية تستهدف جذب الأضواء العالمية إليها، ريثما تحين ساعة الانهيار والعودة إلى جبهة الحرب بقناعٍ جديد وراية أخرى، حتى وإن كانت مهترئة

اقرأ أيضًا

قضايا خليجية

الشيخ حمد بن خليفة… دافن الفقر وصانع النهضة

لا يُقاس أثر القادة بطول سنوات الحكم فقط، إنما بما يتركونه من إرث سياسي وإنساني، وتنموي، يبقى حاضراً في ذاكرة الشعوب. ومن هذا المنطلق، يحتل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله وطيب ثراه، مكانة خاصة في…

قضايا خليجية

“حماس” بين نكران دول الخليج والولاء إلى إيران

أصبحت حركة “حماس”، جناح جماعة الإخوان المسلمين الفلسطيني، شريكاً لا طرفاً محايداً في العدوان الإيراني على دول الخليج العربي، بعد إعلانها أنها في “قلب الحرب مع إيران لا مجرد مراقب لها”. وتأكيداً على ذلك الخذلان والشراكة…

قضايا خليجية

“الخليجي” بين إرث التأسيس وتحديات التطوير

في الذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس ، نستحضر رؤية خليجية ثاقبة قادها الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، طيب الله ثراه، بدعم من قادة دول الخليج، رحمهم الله، لإقامة كيان خليجي موحّد يقوم على التنسيق والتكامل وحماية المصالح…