رؤية حديثة لهموم قديمة
بقلم: خالد أحمد الطراحتعود الكويت بإذن الله قريبا الى وضعها الطبيعي والسليم لتستأنف رحلة التنمية الاقتصادية والسياسية، التي بدأها الرواد بعد تغيب أدى الى انحرافات كثيرة في الاداء الحكومي وتشويه في الملامح العامة للدولة…
بقلم: خالد أحمد الطراحتعود الكويت بإذن الله قريبا الى وضعها الطبيعي والسليم لتستأنف رحلة التنمية الاقتصادية والسياسية، التي بدأها الرواد بعد تغيب أدى الى انحرافات كثيرة في الاداء الحكومي وتشويه في الملامح العامة للدولة لسنوات طويلة. نقول، تعود الكويت لتلحق بركب التطور والتنمية لتعوض ما فات من عمرها من تراجع وجمود أديا الى ضمور وربما شلل في مختلف مرافق الحياة، اضافة الى بروز حالة من الاحباط والملل لدى الناس، ويعود هذا التفاؤل الى مشروع يستند الى رؤية واضحة وقرار والتزام من سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الاحمد، حفظه الله، فقد قدم سموه استراتيجية شاملة ورؤية واضحة للمرحلة الراهنة والمستقبل القادم في الخطابين اللذين ألقاهما امام اجتماع القيادات العليا في 23 من اكتوبر الماضي، وكذلك في 26 من الشهر نفسه أثناء افتتاح الانعقاد الثالث للفصل التشريعي العاشر لمجلس الامة. اتسم خطاب سمو رئيس مجلس الوزراء، بالاضافة الى الشمولية والوضوح، بالمكاشفة والعلانية مما مكنه من تحديد هموم المواطن وهموم الوطن ايضا، وهي معاناة لم تجد لها مخرجا أو علاجا على مدى حكومات عديدة، بل على العكس ظلت ككرة الثلج في مرمى الحكومة وجمرة في يد من يعمل ويسعى الى الاصلاح السياسي والاقتصادي. لا شك في ان القراءة المتأنية لمضمون التطلعات والاهداف، التي صاغها سمو الشيخ صباح تقود الى التعرف بصورة أوضح في ملامح واطار عمل لاستراتيجية كاملة وشاملة، فقد ركز سموه على الموارد البشرية وضرورة ارساء قواعد المعرفة العلمية والتكنولوجية ومواكبة ثورة المعلومات واعادة هيكلة الجهاز الاداري وتعزيز دور الاعلام في البناء الوطني والتنوير، ودعم الحريات الى جانب التطوير الاقتصادي وارساء قواعد الاقتصاد الحر، والتحرر من الممارسات والاعراف، التي تحول دون مشاركة فعالة للقطاع الخاص، اما على الجانب السياسي، فقد اكد سموه ايضا حرصه على ترسيخ دولة القانون والمؤسسات وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، بالاضافة الى تطوير قانون الانتخابات وترسيخ الديموقراطية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية من خلال تمكين المرأة الكويتية من ممارسة حقها في الانتخابات والترشيح. هكذا يتأكد لنا ان رؤية سمو رئيس مجلس الوزراء لم تكن خطابية او انها استهدفت دغدغة المشاعر، وكسب الود الشعبي، فعملية الربط بين الاصلاح الاقتصادي والتنمية السياسية تعكس ادراكا لا يقبل الشك، وحجم الخلل ومتطلبات الاصلاح السياسي والاقتصادي وعزما على التحقيق والتنفيذ. اما بالنسبة للعزم على التنفيذ، وهو عامل مهم للغاية، فيمكن التدليل عليه بأن الاجتماع مع القياديين في الدولة لم يأت بناء على طلب جهة من خارج الحكومة، بل انه جاء بمبادرة وطلب من سمو رئىس الوزراء شخصيا، كما ان تبني قضايا مهمة وحساسة ايضا كقضية المرأة وحقها السياسي امام مجلس الامة، بالرغم من وجود معارضة واسعة لمجاميع نيابية، لا يمكن تفسيره بالمجاملة او المسايرة! بالتأكيد لا يمكن لأي كان ان يجزم اليوم بنجاح التنفيذ او الالتزام التام بالتطبيق، فعملية الاصلاح السياسي والاقتصادي لا يمكن الدفع بها في آن واحد واتجاه واحد ايضا، ولا بد من ان نستفيد من تجارب الدول التي فشلت في احداث تحولات اقتصادية وسياسية شاملة وسريعة بالرغم من سلامة ووضوح الرؤية لديها، فمن الضروري ان تراعي آليات العمل والتنفيذ المناخ العام وتركيبة المجتمع، كما لا بد من ان تتناسب ايضا مع الاحتياجات والمتطلبات التي ربما قد تستدعي بعض التعديلات. ولعل من المفيد التوقف قليلا عند ردود الفعل على ما قدمه سمو رئيس الوزراء في الخطابين، خصوصا بعد مرور وقت كاف من الزمن، حيث تبين ان ردود الفعل اتسمت بالتقليدية والنمطية، ولم تخرج عن الاطار القديم الا لدى قلة من القوى السياسية وقادة الرأي والفكر في المجتمع التي تميزت بموقف ايجابي ومتفائل، اذ يلاحظ ان الجماعات التي نذرت نفسها دوما للتمجيد بالسلطة والتأييد المسبق لمشاريع الحكومة لم تغير من مواقفها، فيما التزمت الجماعات الاخرى على الجانب الآخر بمعارضتها وتشكيكها في منهج الاصلاح الذي طرحه سمو الشيخ صباح بل انها ظهرت شامتة ومتشائمة اكثر منها متأنية ومتفائلة. المؤسف في الأمر ان غياب أدوات أساسية كحملات الإعلام والعلاقات العامة عند الحكومة، لا تمكنها من خوض معركة التعبئة وحشد الجهود واللوبي والتثقيف والدفاع المباشر عن سياساتها امام الرأي العام والأغلبية في المجتمع باستثناء نافذة مجلس الأمة، وهي اليوم باتت نافذة غير واسعة للأسف، فهي لا تمثل كل المجتمع الكويتي، فهناك حسابات انتخابية باتت تسيطر على العلاقة بين السلطتين، مما جعل مطالب السلطة التشريعية تتسم بالضبابية، كما عبر عنها سعادة رئيس مجلس الأمة الأخ الفاضل جاسم الخرافي. ايا كان، لا تنكر الحاجة لحملة إعلامية تهدف الى تعبئة الرأي العام بفهم سليم وصحيح لمشاريع الحكومة وسياساتها الاصلاحية والتنموية، وترسخ ايضا ثقافة ديموقراطية ووعيا بأسلوب المحاسبة من اجل ان يصبح الشعب الكويتي شريكا وشاهدا حقيقيا في عملية اتخاذ القرار وصناعة المستقبل. لا شك في ان عملية التنمية والاصلاح لا يمكن ان تدور في ظل اجواء غير صحية ومزايدات قد تؤدي الى هدر الزمن وتشتيت الانتباه والتركيز، ومن الواجب توفير التأييد الشعبي والتفهم الجماهيري للاصلاح السياسي والاقتصادي بالصورة التي قدمها سمو الشيخ صباح، والا فستصطدم على الاغلب هذه الرؤى والتصورات بحسابات انتخابية وعداءات تقليدية يصبح الخاسر الوحيد، من هذه العملية، بلدنا الكويت! جملة من العوامل والاسباب تدعو الى التعاون والتأييد والدعم للرؤية التي قدمتها الحكومة، ولعل أبرزها وأهمها ان الرؤية تنسجم مع احتياجات اليوم وتهتم بمواكبة المستقبل، وما يميز هذه الرؤية عدم وجود 'فجوة الأجيال' فيها والتي كانت محل خشية القوى السياسية في السابق، من الواجب ان تتضافر اليوم الجهود في دعم التوجيهات الاصلاحية الحكومية بواقعية وانسجام، خصوصا في ظل عوامل ومتغيرات خارجية مناسبة وآفاق عمل رحبة. |