من يربح المعركة؟
بقلم: خالد أحمد الطراح ثمة معادلة بسيطة ومعروفة في علم الجريمة بخصوص الارهاب ومواجهة الارهابيين، تتمثل في منع الارهابيين من استثمار أي فرصة في مخاطبة الرأي العام وتقديم طلباتهم عبر وسائل الاعلام، بسبب انهم يستمدون القوة…
بقلم: خالد أحمد الطراح
ثمة معادلة بسيطة ومعروفة في علم الجريمة بخصوص الارهاب ومواجهة الارهابيين، تتمثل في منع الارهابيين من استثمار أي فرصة في مخاطبة الرأي العام وتقديم طلباتهم عبر وسائل الاعلام، بسبب انهم يستمدون القوة والعزم من خلال ردود الفعل التي يمكن ان يثيروها عبر شاشات التلفزيون بالتحديد ويقيسون بالتالي مدى (جدوى) عملهم في تأجيج الغرائز الفطرية لدى الرأي العام وجذب وسائل الاعلام.
لا اعرف ما هي حجة الادارة الاميركية في طلبها من وسائل الاعلام بالتعتيم على الرسائل المسجلة لبن لادن وأعوانه في تنظيم 'القاعدة'، ولكن تذكرت هذه المعادلة حين افرطت بعض الجهات وكذلك الافراد في تحليل وتناول المطلب الاميركي والمطلب البريطاني في ما بعد بخصوص تعتيم وسائل الاعلام وخصوصا شبكات التلفزيون على رسائل بن لادن المسجلة.
ربما الدافع الاميركي والبريطاني يعود شيء منه الى المعادلة سالفة الذكر وربما الاساس هو فعلا الخوف من كون رسائل بن لادن قد تحمل رموزا وتوجيهات الى اعوانه في الخارج، وسواء كان السبب هذا أو ذاك فلم يعد مهما معرفة السبب والدافع بقدر الاتفاق على مدى جدوى افساح المجال امام بن لادن لبث نداءاته مجانا من خلال شبكات التلفزيون وهل بث رسائل مسجلة لمجموعة مسلحة في جبال افغانستان ردا على البيانات الاميركية والبريطانية تندرج تحت حرية الاعلام والرأي؟
حرية الاعلام والرأي لا يمكن بأي حال من الاحوال تجزئتها أو العبث في تفسيرها وتعريفها بصورة جديدة ومختلفة عن الواقع، ولكن تساؤلا يبرز في هذا المقام وهو هل من المشروع أو الحكمة ايضا ان تركز شبكات العالم كاميراتها على دور رعاية المجانين والمرضى النفسانيين؟ هل من المقبول ان تتحول وسائل الاعلام الى نوافذ للمجرمين والشواذ والمعتوهين لتبرير جرائمهم وممارساتهم الشاذة؟
كل هذه التساؤلات مشروعة وينبغي ان تكون واضحة في اذهان المسؤولين في وسائل الاعلام خاصة في اوقات الازمات وعلى الاخص في المحنة التي احتوت العالم منذ الحادي عشر من سبتمبر الماضي.
ولكن اشكالية التعامل مع الاحداث المرتبطة ببن لادن لا تكمن في الحريات ومفهومنا لحرية الرأي والحرية الاعلامية أو مفهوم الغرب للحريات، فلا أظن بأننا بعيدون عن بعضنا البعض في المفاهيم، ولكننا مختلفون على الارجح في تطبيق هذه المبادئ والتعامل مع الاحداث، وربما السبب في ذلك يعود الى غياب تعريف مشترك اساسا للارهاب، فما تراه دولة عربية ارهابا، تراه الاخرى ليس ارهابا أو انه ردة فعل على فعل معين!!
هذا التعقيد والاشكالية تضطرنا الى الالتفاف على لب القضية واستبدال أي اتفاق ضروري وهام باتفاق آخر ربما اقل تعقيدا واكثر وضوحا وقربا للواقع، وهو تعريف مبدأ المصالح المشتركة، واذا ما تم ذلك فيمكن عندئذ معالجة باقي الامور بما في ذلك التعامل الاعلامي مع نشاط بن لادن ورسائله.
مبدأ المصالح المشتركة يقتضي النظر بحيادية مطلقة وتقييم موضوعي لاي نشاط أو عمل يوجه ضد أي دولة من الدول المشاركة في الاتفاق على مبدأ المصالح المشتركة، خصوصا اذا ما كان هذا المبدأ جزءا من ميثاق سياسي.
وفي حالة دول مجلس التعاون الخليجي فمبدأ المصالح المشتركة لا يمكن تجزئته، ليس بسبب وجود مجلس التعاون الخليجي فقط وانما ايضا بسبب عوامل جغرافية وتاريخية وسياسية واجتماعية.
من هذا المنطلق يجب النظر الى التعامل الاعلامي مع نشاط بن لادن وتقييم مدى تأثير أو جدوى بث رسائل بن لادن وتسليط الضوء عليه وجعله بطلا قوميا أو بطلا اسطورياِِ ربما التأثير لن يكون مباشرا على دولة أو دولتين لفترة من الوقت، ولكنه بالتأكيد مؤثر على دول وشعوب أخرى بصورة قد تنذر بانجراف عدد مهول من المسلمين لنداءات بن لادن، وربما خروج ابطال جدد الى الساحة على نمط زعماء منظمة القاعدة!!
الحريات تظل مبادئ يحتذى بها ولكن علينا ان نتعامل معها بحذر شديد في كثير من الاحيان والظروف، فهي مبادئ تنطوي على نصوص مطلقة، ولكن الممارسة والتطبيق لهذه المبادئ ليست مطلقة ولا يمكن جعلها مطلقة، فثمة ممارسة واعية تأخذ بعين الاعتبار الصالح العام وهو أفق واسع، وثمة ممارسة غير واعية تركز على جوانب آنية، وهو أفق ضيق لا ينفع في الازمات خصوصا.
ان الظروف التي تجتازها منطقة العالم الاسلامي والغربي، تستدعي فعلا من وسائل الاعلام العربية التعامل بحذر شديد وتحمل المسؤولية الاخلاقية قبل الاعلامية حتى لا تتحول الساحة العربية والاسلامية الى مواقع يقفز اليها من يشاء ان يجعل من نفسه بطلا حتى ولو لبضعة ايام وامام نفر محدود من الناس، فيما يدفع الثمن باهظا عدد كبير من البشر في العالم الاسلامي والعربي والغربي ايضا.
المعركة الحقيقية هي في مدى النجاح الذي يمكن ان نسجله في تثقيف وتوعية الجماهير وتهدئة المشاعر المتأججة، والمحافظة على بناء فهم سليم وواضح لدين الاسلام على انه دين التسامح والسلام.
دين الاسلام