16 أكتوبر 2026 آخر المقالات
قضايا عربية

السلطة الرابعة ِِِِِ

بقلم: خالد أحمد الطراح تجسيدا للديموقراطية الحقة، صاح الفيلسوف الفرنسي فولتير في وجه خصمه: ‘قد اخالفك في الرأي، ولكنني أستميت من اجل ان تبدي رأيك’. مقولة فولتير الشهيرة هذه خرجت قبل مائتي عام لتؤكد ركنا حضاريا وانسانيا…

بقلم: خالد أحمد الطراح
تجسيدا للديموقراطية الحقة، صاح الفيلسوف الفرنسي فولتير في وجه خصمه: 'قد اخالفك في الرأي، ولكنني أستميت من اجل ان تبدي رأيك'.
مقولة فولتير الشهيرة هذه خرجت قبل مائتي عام لتؤكد ركنا حضاريا وانسانيا في المجتمع الديموقراطي الذي تحكمه اخلاقيات مهنية ومواثيق، ولكن الممارسة العربية، أو بمعنى أدق، بعض الممارسين لقشور الديموقراطية قرأوا وتعاملوا على ما يبدو مع مقولة الفيلسوف الفرنسي الشهيرة بصورة مختلفة تماما عن المضمون لتصبح على النحو التالي: 'أختلف معك في ما تقوله من آراء، وأستميت لأجعلك لا تبديها مطلقا'!!
لا شك ان ثمة استفادة واضحة في معظم البلدان العربية، لاسيما التي تتمتع بهامش كبير من الحريات الصحفية والديموقراطية، من التطور الاعلامي في العالم سواء في ميدان الصحافة او التلفزيون او الاذاعة، واخيرا في ميدان الانترنتِ ومواكبة هذا التطور من قبل الصحافة المطبوعة والفضائيات في بعض البلدان العربية ادت الى جعلها مصدرا رئيسيا واساسيا للاخبار والمعلومات بصورة تضاهي احيانا كبريات الصحف العالمية وشبكات التلفزيون ونشاط مراكز البحث والرصد.
رغم هذا التطور الهائل في الميدان الاعلامي لعدد كبير من الدول العربية إلا ان هناك عاملا هاما ظل مفقودا، وهو غياب التمسك باخلاقيات المهنة او المهنية Professionlism مما ادى الى انحراف في مسارات العمل الاعلامي ككل نتج عنه حالات من التشنج والتوتر والشخصانية ايضا.
افرازات كهذه ونشوء نزعة نحو التسطيح والتهميش للرأي الآخر ووجهات النظر الأخرى واللجوء الى ممارسة القطعية في الرأي تؤدي في نهاية المطاف الى احداث خلل واسع في المجتمع وعلى مختلف المستويات، وتفرغ ايضا الصحافة من اهدافها الرئيسية كالتنوير والتثقيف والتحليل وتجعلها تتحول الى صحافة 'الاعمدة'!
ففي الصحافة العربية هناك بعض الذين نصبوا انفسهم منظرين  حينا ومشرعين ومحللين حينا آخر، بل البعض الآخر باتوا متخصصين وخبراء في علوم السياسة والفلسفة والشريعة والاقتصاد في آن واحد الى درجة اطلاق النبوءات ايضا، التي لم يتحقق منها شيء، بل عكسها تماما هو الذي حدث!!
من المؤكد ان الخلاف في وجهات النظر والرأي امر مقبول ومطلوب ايضا من اجل تطوير الممارسة الديموقراطية على ان يكون الحوار مستندا الى معطيات واسس موضوعية وطرح هادئ وعقلاني، لكن يصبح الخلاف في الرأي وبالا على المجتمع ووأدا لأبسط قواعد الديموقراطية عندما يتحول هذا الخلاف الى تسفيه وجهات النظر الأخرى الى درجة اللجوء الى وسائل التشويه والتقبيح للطرف الآخر!!
امام هذه الممارسة وعدم الالتزام بآداب المهنة، نجد ان التشنج والشخصانية في النقاش باتا ظاهرة ملموسة في الصحافة العربية مما جعل ميدان الكتابة اشبه ما يكون بميدان القتال والمعارك التي تستخدم فيها كافة انواع الاسلحة الفتاكة، لدرجة ان البعض بات يحرص على تحطيم من يتناولهم ليصيبهم بأضرار قد تطال احيانا افراد عائلتهم، وربما تطال  اصدقاءهم ومعارفهم ايضا.
من المؤسف بالتأكيد ان تتحول منابر الكتابة والحوار الى ميادين قتال وانتقام في الوقت الذي تتأكد فيه الانجازات في مجال الاعلام في الوطن العربي، كما اكدها منظر ومفكر اعلامي بحجم ولبار شرام Wilbar Schram وايضا الباحث الاميركي جون الترمان JOHN Alterman في كتابه الاخير: New Media, New Politics, From Satellite to the Internet in The Arab World.
ربما العلة في عدم ادراك اهمية المحافظة على الانجازات الديموقراطية والحريات الصحفية مثلما يفعل المجتمع الغربي باعتبار ان هذه الانجازات هي في الواقع مكاسب اجتماعية وسياسية تستوجب التطوير والترسيخ.
بحجم الأسف نفسه مازلنا متفائلين بأن يحرص القائمون على الاعلام والمشتغلون فيه على تصحيح المسار الاعلامي والصحفي على وجه الخصوص، حتى يتمكن القارئ للصحف والاصدارات العربية من ان يطوي الصفحة تلو الاخرى والاستفادة من المعرفة والثقافة بتعاظم في ظل اجواء مفعمة بالاحترام لوجهات النظر والرأي الآخر، كما قال الامام الشافعي: 'رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب'ِ 
وللحديث بقية.

اقرأ أيضًا

قضايا عربية

“إيلاف”… منصة عالم التوحد

غابت خلال السنوات الماضية الكثير من المبادرات الإعلامية الهادفة، والحملات الممنهجة الرامية إلى تعزيز الوعي المجتمعي بقضايا صحية شديدة الأهمية، تلك التي تستدعي ترسيخ المعرفة في مراحلها المبكرة، سواء من حيث التشخيص، أو…

قضايا عربية

رسالة الصين

في الوقت الذي حصر الزعيم الصيني شي جينبينغ أخيراً رسالة بلاده إلى العالم حول “الحرب أو السلام، والحوار أو المواجهة”، ضم العرض العسكري الصيني شيئاً، وليس كل القوة الفتاكة لدولة عملاقة تطبق نظامين، سياسيين واقتصاديين.…

قضايا عربية

“الحالة” السورية

في تصريحات الرئيس السوري الموقت أحمد الشرع الأخيرة، تكرر قول “الحالة السورية” في تحليل، وتناول الأوضاع السياسية، والاقتصادية في بلاده، ومناقشة المحيط الجغرافي لسورية، وتطوراته، وتحدياته. يبدو أن الرئيس الموقت أحمد الشرع…