العدو اثنان وليس واحدا
بقلم: خالد أحمد الطراح لا يكاد يمضي بعض الوقت حتى يفاجئنا النظام العراقي بمفاجآته التي أقرب ما تكون لألعاب بهلوانية سمجة، وآخر هذه المفاجآت صدور الأوامر الى قادة الجيش والضباط بضرورة استعجال تسليم مذكراتهم اثناء الحرب…
بقلم: خالد أحمد الطراح لا يكاد يمضي بعض الوقت حتى يفاجئنا النظام العراقي بمفاجآته التي أقرب ما تكون لألعاب بهلوانية سمجة، وآخر هذه المفاجآت صدور الأوامر الى قادة الجيش والضباط بضرورة استعجال تسليم مذكراتهم اثناء الحرب العراقية الايرانية وحرب الخليج الثانية مقابل مكافآت سخية. وهنا لن أجادل في أي عمل أدبي يمكن كتابته أو مذكرات يمكن روايتها اذا ماجاءت نتيجة لأوامر، وخصوصا حين تكون أوامر بلا خيارات فاما تنفيذها او الاعدام! فعملية التنفيذ في مثل هذه الاحوال ليست اجبارية فحسب بل هي حالة من الارغام للعقل والذهن لاصطناع الذكريات والأحداث ايضا، فالمهم هو التنفيذ للأوامر ولعل الشرط الأساسي غير المعلن في هذا الصدد أن المذكرات يجب أن تسرد بطولات الجيش والقيادة العراقيةِ كما قلت لست بصدد مناقشة الجانب الأدبي او المعلوماتي ولكن ثمة جانبا مهما ومثيرا في هذا الموضوع وهو ان صدور هذه الأوامر له دلالات ومعان معينة ابرزها ان مفهوم ونزعة الحرب مازالا موجودين لدى النظام العراقي وان النظام العراقي اختار عدم الاستفادة من دروس الأعوام العشرة الماضية. لاشك أن المتتبع للأحداث في بغداد منذ حرب تحرير الكويت من براثن الاحتلال العراقي في عام 1991 يجد نفسه أمام مسرحية نسجتها مخيلة مريضة ورؤية مضطربة. فالجزء الأول من المسرحية خلال الأعوام العشرة الماضية بدأ مع الايام الأولى للغزو العراقي للكويت حين أعلن صدام حسين بأنه بصدد تحرير فلسطين مرورا بالكويت! فيما انطلق الجزء الثاني من المسرحية في تسمية هزيمة الجيش العراقي وانسحابه من الكويت عام 1991 بأم المعارك!!. اليوم تتكرر المسرحية من خلال الاعلان عن عدم التعامل مع الدولار الأميركي، والمطالبة بمقاطعة عربية لأميركا وتعبئة الشعب العراقي المغلوب على أمره بمجد الجهاد وتحرير فلسطين وتلبية نداء الواجب والشهادة، والتبرع من خلال برنامج 'النفط مقابل الغذاء' بمبلغ 900 مليون دولار أميركي للانتفاضة الفلسطينية في الوقت الذي يفترض فيه ان تكون المعاناة في العراق بلغت ذروتها اضافة الى الادراك المفاجئ والادعاء بوجود أسري عراقيين لدى الكويت بالرغم من مرور عشرة أعوام على الغزو وحرب التحرير. ان نموذج النظام العراقي لاشك أنه يشكل حالة مرضية وشاذة في تاريخ البشرية ولاشك ايضا ان الشعب العراقي في الداخل لا يملك سوى مجاراة هذا النظام الدموي، والغايات من المزايدة فيما يتعلق بانتفاضة القدس معروفة، فزمن دغدغة المشاعر العربية ولى وراح ولكن ثمة ما هو غير مفهوم وهو الضجة التي تثيرها بعض الأنظمة والجهات والافراد ايضا فيما يتعلق بمعاناة الشعب العراقي والمطالبة بفك الحصار عن العراق. من المؤكد أن النظام العراقي وحده الذي يمانع في مساعدة شعب العراق ورفع معاناته، وليس سواه، والشواهد والبراهين على ذلك عديدةِِِ ما هو فعلا غير مفهوم وغريب ايضا ان تثار هذه الضجة في الوقت الذي مازلنا نجهل اذا ما كان فعلا سيستفيد الشعب العراقي في الداخل من رفع الحصار؟ وما اذا كان ملايين من الشعب العراقي في الخارج سيتمكنون ايضا من العودة الى بغداد مكرمين معززين احرارا؟ وهل عودة الاسرى والمفقودين الكويتيين وغيرهم باتت وشيكة؟ وما هي الضمانات بعدم تكرار ممارسات الغدر والتآمر للنظام العراقي على أمن واستقرار منطقة الخليج والمنطقة العربية ككل؟؟. تساؤلات مشروعة عديدة مازالت قائمة، فهي تستند الى جملة من العوامل والشواهد ايضا، فملف النظام العراقي مليء بالمفاجآت والمؤامرات، وربما أحدث خطة تآمرية للنظام العراقي ما كشفته احدى الصحف البريطانية مؤخرا نقلا عن احد عناصر المخابرات العراقية بمخطط تكثيف العمليات التآمرية ضد الجارة المسلمة ايرانِ جملة من الظروف والأسباب تستدعي عدم اغلاق ملف النظام العراقي بهذه البساطة والتساهل، فهذا الملف ملطخ بدماء شهداء العراق الذين زج بهم في حروب وهمية، وملطخ ايضا بدماء شهداء ايران الجارة المسلمة وهو الملف نفسه الذي مازالت تفوح منه رائحة دم شهداء الكويت وهم العرب المسلمون. أسباب وبراهين عديدة تستدعي التعامل بحذر شديد مع الدعاية الغوغائية والدعوات الممجوجة للنظام العراقي، وتستدعي ايضا التمعن والانتباه الى من يسعى الى التكسب والتنفع باسم معاناة الشعب العراقي، وإلى من يسعى فعلا الى تهيئة حياة كريمة مفعمة بالحرية والأمان للشعب العراقي في الداخل والخارج وشعوب دول المنطقة ككل. هناك دوافع وغايات عديدة وراء استجابة بعض الدول والجهات لدعوات النظام العراقي، وهناك ايضا دول تبحث عن دور ما في خضم ما يجري بشأن العراق وربما ذلك مشروع في المعترك السياسي، ولكن كل هذا يفقد المشروعية اذا ما كانت النتائج بعكس مصالح الشعب العراقي وشعوب ودول منطقة الخليج وعلى حساب أمن منطقة الخليج واستقرارها. اغلاق ملف النظام العراقي لا ينبغي ان يكون نتيجة مكاسب وغايات ذاتية او أدوار معينة، فثمة اجيال عربية مازالت تجهل التفسير لما حدث في الثاني من اغسطس عام 1990، فالعدو قبل هذا التاريخ كان بالنسبة لهم دوما اسرائيل وبعده اصبح العدو إثنين: اسرائيل والنظام العراقي. |