مجلس الأمة: العودة الى الأمام
بقلم: خالد أحمد الطراح اي صفحات الماضي أو ركن الماضي في الجانب غير النشط من الذاكرة يعتبر الخطوة الأولى والرئيسية نحو العمل المثمر الذي من شأنه ان يسهم في تصحيح مسيرة العمل ومعالجة الأخطاءِِ على هذا الأساس ينبغي ان…
بقلم: خالد أحمد الطراح
اي صفحات الماضي أو ركن الماضي في الجانب غير النشط من الذاكرة يعتبر الخطوة الأولى والرئيسية نحو العمل المثمر الذي من شأنه ان يسهم في تصحيح مسيرة العمل ومعالجة الأخطاءِِ على هذا الأساس ينبغي ان ينطلق منه دور الانعقاد الحالي لمجلس الأمة، فالتفتيش في الماضي والرجوع اليه لن يؤديا سوى الى الدخول في عملية مقارنة غير مجدية بسبب تعقيدات وظروف الأمس التي تختلف تماما عن مناخ اليوم علاوة على أن أي عملية مقارنة في العمل ستؤدي بالتأكيد الى الانغماس في تفاصيل معقدة تؤدي في النهاية الى انحراف التركيز عن الموضوع الأساسي ليصبح عندئذ الدفاع عن تعقيدات وظروف الماضي واسقاطاته الموضوع الرئيسي!!.
لا شك ان الاستفادة من الدروس والتاريخ مسألة مهمة للغاية، ولكن يجب أن لا يكون الماضي هو النافذة للتفكير في المستقبل، فنافذة كهذه من شأنها أن تؤثر على الرؤية الشمولية للأمور والمستقبل بحيث تنعدم أو تضيق الرؤية فيما بعد بصورة لا تخدم مطلقا عملية التفكير والتخطيط للغد.
هناك الكثير من التحفظات والآراء حول ممارسة الحكومة في الماضي، وكذلك في الممارسة النيابية الى درجة ان مسؤولية تعثر الحوار والتعاون بين السلطتين في السنوات الاخيرة تكاد تتقاسمها الحكومة والمجلس بالتساوي، مما اثر سلبا على خطط ومشاريع وبرامج الاصلاح والتطوير والتنمية.
اليوم، نحن فعلا أمام فرصة ذهبية ربما لن تتكرر، فالتغيير في منهج العمل الحكومي بات واضحا وملموسا من خلال ملامح البرنامج الحكومي الذي تسرب الى الصحافة قبل أيام، اضافة الى ذلك ثمة معطيات أخرى واحداث تؤكد التغيير في منهج العمل الحكومي والحرص على التطوير واحراز تقدم ملموس، وربما نقلة نوعية ليس في نمط التخطيط والتقييم فحسب، وانما في التطبيق والتنفيذِ يضاف الى ذلك حماس وحرص النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية ورئيس اللجنة الوزارية الشيخ صباح الاحمد الصباح على ترسيخ التعاون مع مجلس الامة وتحقيق تحولات اقتصادية واجتماعية، وهذا الحرص بات أيضا ملحوظا، من خلال أحاديث الشيخ صباح على صعيد جلسات مجلس الوزراء أو اللقاءات العامة أو الخاصة أو زياراته ودعواته للنواب.
في الجانب الآخر، لدينا مجلس امة جديد في تركيبته الى حد ما، كما ان الجديد ايضا هو تركيبة مكتب الرئاسة، وهذا بحد ذاته يشكل الفرصة السانحة والواعدة لارساء مفاهيم وأسس جديدة في الحوار والتعاون مع السلطة التنفيذية بعيدا عن تأثيرات واسقاطات الماضيِ كما انها الفرصة لترتيب علاقة المجلس مع الرأي العام بصورة تجعل المجلس يقود ويؤثر في الشارع بدلا من الوضع المقلوبِ كما تتطلب المرحلة الراهنة تركيز مكتب الرئاسة على الأمور القطعية والتطرف في الرأي والنقاش العقيم الذي غالبا ما يخيم على جلسات المجلس الى جانب السبل الكفيلة بجعل الرأي العام شريكا محوريا في عمليات التغيير والتحولات التي يسعى المجلس الى تحقيقها، اضافة الى كيفية خلق مجموعات الضغط في المجتمع والتواصل مع النقابات وجمعيات النفع العام.
ولعل أفضل الوسائل والنوافذ للتعامل مع القضايا والمسائل سالفة الذكر هو ترتيبها حسب الأولويات والأهمية، ومن ثم تحديد طبيعة الأدوات والأساليب والوسائل المناسبة للتعامل معها، فكثير من القضايا، واعتمادا على طبيعتها، تستدعي اللجوء الى وسائل وأدوات معينة اما للتمهيد لها أو لتنفيذها أو المساعدة في حشد الدعم الشعبي لها.
من الواضح ان أبرز الأدوات والوسائل التي غابت عن اهتمام المجلس السابق هو عدم وجود آلية عمل يمكن من خلالها التعرف فعلا على اتجاهات الرأي العام واحتياجات الناس وآراء المجتمع بفئاته المختلفة، فمن المؤكد ان ليس كل ما يصل الى مجلس الامة من معلومة يعني انه رغبة شعبية أو احتياج وطني، وهذا الوضع لا يعني ان الإخوة الأعضاء في مجلس الأمة متقاعسون في نقل رغبات واحتياجات الناس، بل ان المقصود ان وجود آلية عمل في تقييم وقياس الرأي العام بصورة سليمة وعلمية من شأنها ان تسهم في اختصار وقت المناقشة وتوفر للقضايا قيد البحث مساحة أوسع من الفهم والتفهم وبالتالي الدعم اللازم لها.
وكذلك الحال بالنسبة للرأي المضاد، فمن خلال توثيق ورصد سليم للمعلومات واتجاهات الرأي العام، يمكن تحديد مدى سلامة هذا الرأي أو ذاك، والاسلوب الأمثل في تحييد أصحاب الرأي المضاد.
ومن فوائد وجود أدوات وسائل قياس كهذه لدى مجلس الأمة ايضا التعرف بدقة على مستوى الأداء والرضا الشعبي ومدى الاهتمام الشعبي بالقضايا المطروحةِ كما من شأن تنظيم العمل بهذا الشكل ان تنتشر المعلومة الصحيحة والسليمة بدلا من الاشاعة والأقاويل التي سرعان ما تكبر مثل كرة الثلج!!.
ثمة مسؤوليات ومهام أخرى تنتظر الحسم والاهتمام من جانب مكتب الرئاسة، كقضايا عدم التزام بعض النواب بحضور جلسات مجلس الامة، وبالتالي فقدان النصاب في الجلسات، ومسألة المواقف العلنية وغير العلنية لبعض النواب في ما يتعلق بالموضوعات والقضايا الحساسة، فهناك من يعلن دعمه وقبوله للمشروع قيد المناقشة مع الحكومة سواء في الجلسات العامة اوالاجتماعات الرسمية، وهناك من يشتري ود الحكومة في اعلان القبول في الجلسات المغلقة واللقاءات الخاصة فيما يعلن الرفض أثناء الاجتماعات العلنية، تجنبا لفقدان ود الناخبين أو ربما ود فئة قليلة من الناخبين!! علاوة على هذه القضايا هناك قضايا لا تقل اهمية عنها فالوساطة والمجاملات والمصالح الشخصية سواء للنواب أو الوزراء تستدعي التصدي لها بحزم وقوة من قبل مكتب الرئاسة حتى لا تتفشى وتنتشر هذه الممارسات والسلوكيات السلبية وتؤثر بالتالي على الممارسة النيابية السليمة.
ان المسؤوليات والمهام والتحديات اليوم أمام مكتب الرئاسة عديدة وصعبة، ولكنها بالتأكيد ليست مستحيلة أمام عزم وكفاءة أعضاء مكتب الرئاسة، فاحتياجات اليوم ومتطلبات التغيير والانجاز لا تنحصر في المحافظة على الانتماء الى اليمين أو اليسار أو درء التسلط وخرق القوانين والدستور، وانما تتعداها الى تطوير التجربة الديموقراطية بصورة تنسجم مع روح وتقاليد المجتمع الكويتي وتلبي تطلعات الأغلبية وتضمن مستقبلا مشرقا للأجيال القادمة.
الديموقراطية